الجمعة 19 يونيو 2026
33°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
آراء طلابية

أثر الدفع بالإحالة للارتباط أمام القضاء المدني والتجاري

Time
الخميس 18 يونيو 2026

يعد حسن سير العدالة، وتجنب تضارب الأحكام القضائية، من المبادئ الأصولية التي تُهيمن على فلسفة قانون المرافعات، المدنية والتجارية المعاصر.

وفي هذا السياق، يبرز الدفع بالإحالة للارتباط كأحد أهم الأدوات القانونية، التي تهدف إلى توحيد الخصومة القضائية عندما يثور نزاعان مرتبطان أمام محكمتين مختلفتين؛ فهل يملك القاضي سلطة تقديرية مطلقة في الاستجابة لهذا الدفع، أم أن حماية حقوق المتقاضين تفرض قيوداً صارمة تلجم هذه السلطة؟

هذا التساؤل ليس مجرد تنظيم إجرائي جامد، بل هو توازن دقيق يمس كفاءة المرفق القضائي من جهة، وضمان عدم إطالة أمد التقاضي، أو حرمان الخصوم من قاضيهم الطبيعي، من جهة أخرى، وهو ما يتجلى بوضوح في بيئة القضاء الكويتي الذي يوازن بحرص بين سرعة الفصل، وتحقيق العدالة الوقائية.

في الجانب النظري، يعرف الارتباط أنه صلة وثيقة بين دعويين جردتا في ملفين مستقلين، بحيث يجعل من المصلحة وحسن سير العدالة نظرهما معاً، وفصلهما بحكم واحد، منعاً لصدور أحكام متناقضة في مسألة جوهرية واحدة.

بيد أن هذا الدفع ينشطر في التطبيق العملي من حيث طبيعته القانونية؛ فهو لا ينتمي إلى الدفوع الشكلية المحض التي تسقط بعدم إبدائها في بدء الخصومة، ولا يرتقي في الوقت ذاته إلى مرتبة الدفوع الموضوعية، أو الدفوع المتعلقة بالنظام العام، التي تقضي بها المحكمة من تلقاء نفسها.

وعند إسقاط هذا الجدل على الواقع، التشريعي والقضائي، في الكويت، نجد أن محكمة التمييز قد أرست قواعد راسخة تحدد معالم هذا الدفع، وتمنع اتخاذه وسيلة للتسويف؛ فوفقاً لنصوص قانون المرافعات المدنية والتجارية، تملك المحكمة سلطة تقديرية واسعة في تحقيق قيام الارتباط من عدمه، دون خضوع لرقابة محكمة التمييز متى كان استخلاصها سائغاً. ورغم هذه السلطة، فإن القضاء الكويتي يضع خطاً فاصلا ومشدداً، إذ لا يجوز إحالة الدعوى للارتباط، إذا كانت المحكمة الأخرى غير مختصة نوعياً بنظرها، أو إذا كانت الدعويان أمام درجتي تقاضي مختلفتين (كإحالة دعوى أول درجة إلى محكمة الاستئناف).

هذا الموقف الصارم يحمي قواعد الاختصاص النوعي والوظيفة القضائية من أي عبث إجرائي قد يتذرع به الخصوم تحت غطاء الارتباط الوثيق.

إن الإجابة عن أثر الدفع بالإحالة للارتباط ليست مجرد رخصة يمنحها القانون للقاضي، بل هي آلية لضبط جودة المنتج القضائي، وحماية هيبة الأحكام من التنازع والإنكار. وإذا كان الفقه الإجرائي المعاصر يميل إلى التوسع في مفهوم الارتباط لتعزيز مفهوم وحدة الخصومة تماشياً مع تعقد المعاملات المالية الحديثة، فإن المشرع الكويتي قد أحاطها بسياج من الضوابط الإجرائية الصارمة.

إن الخط الفاصل بين مرونة الإحالة لمنع تضارب الأحكام، والالتزام بحدود الاختصاص النوعي يظل دقيقا وشائكا، ممّا يثبت أن كفاءة الخصومة القضائية في قانون المرافعات لا تقوم على سرعة الفصل والدمج الفوضوي فقط، بل على استقرار المراكز القانونية تحت مظلة بيئة إجرائية منضبطة وموثوقة.

عبدالرحمن شافي البراق

كلية الدراسات التجارية - تخصص القانون

آخر الأخبار