أثبت الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ووجود إسرائيل ككيان، أن الولايات المتحدة هي صاحبة القرار، وليس كما يشاع منذ عقود، أن تل أبيب هي من تحكم واشنطن، وهي من تملي القرار على أكبر قوة في العالم.
ففي الأسابيع الأخيرة، ظهر ترامب وهو يملي على بنيامين نتنياهو، وليس العكس، ولذلك لم تعرف الحكومة الإسرائيلية نص مذكرة التفاهم مع إيران، في البداية، إلا من وسائل الإعلام، قبل إرسال النص قبل 36 ساعة من التوقيع عليه.
إن هذا التغيير في السياسة الأميركية له دلالات عدة تنطوي على نظرة مغايرة للعلاقة بين ما أسماه ترامب "الكبير" و"الصغير"، الأول واشنطن، والثاني تل أبيب.
نعم، العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزال ممتازة، فالثانية هي الحليف الستراتيجي مع الأولى، لكن التغيير له وقعه على الأحزاب والقوى السياسية الإسرائيلية، التي كانت لها ردود فعل كبيرة على ممارسات رئيس الوزراء الذي يطمح إلى الحفاظ على موقعه السياسي، كي لا يخضع للمحاكمة، ويدخل السجن.
لذلك، فإن النظرة المتغيرة لنتنياهو حالياً، لم تقف عند الرئيس ترامب، فنائب الرئيس جي دي فانس، انتقد مرات عدة رئيس الوزراء الإسرائيلي، ووصلت إلى الشتم، ما يعني أن الحسابات الانتخابية في تل أبيب باتت غير ما كان يطمح له أركان الحكومة المتطرفين، أمثال بن غفير وسموتريش، الذين يعرقلون رغبة الإدارة الترامبية الحالية بالسلام في المنطقة، لا سيما أن الرئيس الأميركي دائما ما يقول "إنني أنهيت ثماني حروب"، وفي اليومين الماضيين شدد على "أن الحرب مع إيران انتهت إلى غير رجعة، وأرغب في السلام".
صحيح الحرب لم تنته بعد، وبالصورة التي يمكن أن تكون عليها نهايات الحروب، ولا يزال الطريق طويلاً، لأن النظام الإيراني، كما هو معروف، لن يتخلى بسهولة عن سياسته القائمة على المماطلة، لكن في المحصلة سيكون أمام الأمر الواقع، فإما الرضوخ، وإما القصف حتى تدمير ما تبقى من مقدراته، وما يزيد من ضعفه وانهياره، وهذا الأمر في ذهن كل قادته، الذين يخافون على مكاسبهم، أكثر من خوفهم على شعبهم.
لكن في المقابل، الولايات المتحدة لا يمكن النظر إليها على أنها دولة ضعيفة، فهي القوة العظمى في العالم، وبالتالي لا يمكن مقاومتها، خصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بالمصالح الستراتيجية التي لا يمكن التخلي عنها، أو تغليب مصلحة إسرائيلية على المصلحة الأميركية.
أيضا، في هذا الشأن، ثمة جانب غير منظور من الصورة، أو بالأحرى هي رسالة للعدو الإيراني، مفادها "إننا لم نرحم حليفنا الأساسي في المنطقة، إسرائيل، ولن نقبل بالتردد في إقرار الاتفاق، وعليكم الخضوع".
لذا، فإن تأثير ما حدث في الأسابيع الماضية، سنراه في الأيام المقبلة، وربما تكون هناك حكومة إسرائيلية، أيضا، بعد الانتخابات غير الموجودة حالياً، وكذلك ربما يستطيع ترامب الفوز بالانتخابات النصفية، وبقوة أكبر، ما يعني البدء في عملية سياسية جديدة في المنطقة، ترسخ السلام الذي طال انتظاره.
الرئيس الثالث للولايات المتحدة توماس جيفرسون كان له رأي مهم، إذ حذر في عام 1776 من الفكر التوراتي ودمجه في العملية السياسية، والقوة الاقتصادية، وجعله قوة ضغط على المجتمع، والقوى السياسية، وطوال عقود كان ذلك التأثير يطغى على السياسة الأميركية، حتى بدأ الرئيس ترامب يظهر وكأنه يغير هذا النهج، لذا فالسؤال: هل يعيد الرئيس الحالي عهد جيفرسون؟