الأحد 21 يونيو 2026
35°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
السياسة... أخلاق؟
play icon
كل الآراء

السياسة... أخلاق؟

Time
السبت 20 يونيو 2026
د.جورج شبلي

لن أتطرّقَ، في هذا النصّ، الى الإشكاليّات التي تفرضُ نفسَها في توصيف مفهوم السياسة، ومناقشة أهدافها المتباينة بين مدرسةٍ وأخرى، وبين نظامٍ وآخر.

فالمدرسة المثاليّة تحدّدُ الهدفَ الأسمى للعمل السياسي بتحقيق الخير العام، والعدالة، والأمان، وكرامة الأفراد، وتندرجُ هذه في سياق الأخلاقيّات. في حين ترى المدرسة الواقعية البراغماتيّة أنّ السياسة تحكمُها المصلحة، والتّعامل مع الواقع كما هو، وليس كما ينبغي أن يكون.

سوف أتطرّقُ، في هذا النصّ، الى نوع الخطاب السياسيّ الذي عاينّاه فُصولاً خلالَ مرحلةٍ طويلة من تاريخنا المعاصر، والذي لا يعزِّزُ الصورة النّاصعة لغالبيّةِ أصحابِه، بل يمسُّ علاقتَهم بالنّاس بشكلٍ سالب.

فإذا كان الكلام السياسي هو وَضْعَ المجتمع داخل خطاب، كان من الواجبِ أن يتَّصفَ هذا الخطاب بالحسّ الخُلقي، احتراماً للإنسان ولسلامة الجَماعة. وإذا كان مفتاحُ الشرّ كلمة، وفق المَثَل الشّعبي، فإنّ الخُطابَ الموتور، العالي اللّهجة، هو مفتاحَ الفتنة.

وإذا كان المجتمعُ فُسَيفسائياً، متعدِّدَ الاتّجاهات والمُيول، من الطبيعي أن يتحوّلَ، في الكثير من الأحيان، أرضاً خصبةً وثيقةَ الصّلة بفَتيل التفجّر، لِما يختزنُه من أسبابٍ جاهزة لتَثويرِ بركانٍ مُغمَضَةٍ عَينُه، من دون أن يَغفو.

إذا عدنا الى حيثيّات الديمقراطية، نقف على تحديدٍ واضحٍ ومباشَر للحقوق، لا سيّما منها الحقّ في الاختلاف، بمعنى الرأي والرأي الآخر. وقد أدخلت الديمقراطيّة حقّ التّعبير عن الرأي في سُلَّم القِيَم، ولم تَنسَ التّشديدَ على ضبطِ هذا الحقّ بمعايير القوانين، وأُصول الأخلاقيّات، لتُبعدَه عن السّلوكِ المُشين، وعن الهبوط بمستوى التّعبير عن الآراء والمواقف، الى دَرْكِ الابتذال، والإسفاف، والوظيفة التحريضية. أمّا الهدفُ من الضّبطِ والتشدّد فهو المحافظة على لياقة التّحاور حتى لا يفقدَ الحوارُ رسالته الحقيقية في تعزيز مبدأ الحرية بالانضباط واللياقة.

لقد غاب عن أذهان الكثيرين من مُتعاطي السياسة، عندَنا وفي بعض أقطار الدّنيا، أنّ اللّسان هو العقل الحسّي، أو هو أداة إخراج الفكر من حال القوّة الى حال الفِعل، كما يقول أرسطو.

وبالتالي، فبِقَدر ما يكون اللّسانُ منضبِطاً، بقَدرِ ما يكون مُحَرِّكُه قَيِّماً، ومقبولاً، ومسموعاً. وبقَدر ما يتفلَّتُ اللّسانُ من حصافة الأخلاق، ومبدئيّات القِيَم، وينحرفُ صاحبه الى السّفاهة، واستخدام اللّغة النّابية، بقَدر ما يتسبّبُ هذا الانحرافُ في تَراجُعِ مستوى النّاطِقِ بالمنطوق، الى حدّ تَمَزُّقِ صورته أمام سامعيه، وانهيار كيانِه القِيَمي، ليغدوَ كريها ممقوتاً.

إنّ مُعتَلي المنابر، ومُمتَهِني الوقوف أمامَ الشّاشات، والمَذاييع (جمع مِذياع)، يظنّون أنّ كلامَهم، في هذه المواقع، من شأنه أن يبنيَ الثّقة مع المُشاهِدين والمستمِعين، لكنّهم لا يعلمون أنّ المُتَلَقّين قسمان، منهم الاصطناعيّون التَّبَعِيّون الذين يُدارون بآلات التحكّم، فهؤلاء المُصَفِّقون على غير هداية، والمُكَرِّرون لِما يتلقّفونه بطريقةٍ غرائزيّة ببَّغائية لا تمتّ الى الوعي بصلة.

ومنهم الذين يتمتّعون بعقلٍ وكرامة شخصيّة، فيَقبَلون الموضوعيّ من الكلام أي الذي يستندُ إلى أصول المنطق، ونهج الحقّ، والقِيَم النّقديّة، ويرفضون التّافهَ والمُسِفَّ والبعيدَ عن القَولِ السَّديد، رَفضاً للعبثِ بعقولِهم، ولاستهانةِ كراماتهم، ولاستخدامهم منبرا مجّانياً لوَرَثَة الشّيطان. وتجدرُ الإشارة الى أنّ بعضَ المُتَذاكين من سياسِيّي الموجات، يستعملون اللّياقةَ قناعاً أو ما يُسَمّى البروباغاندا لتمويه حقيقتِهم البائسة، ولتمرير أهدافهم المُمَوَّهة لكسب تأييدِ النّاس، زُوراً.

إذا كانت السياسة هي إدارة مصالح النّاس، فإنّ الأخلاق هي البوصلة التي تقوِّمُ مسارَ هذه الإدارة، حتى لا تنزلقَ الى ما يُسَمّى "تَوَحُّش" المصلحة، والذي يتمُّ بتَخَلّي السياسة عن الأخلاق، وعن "أَنسَنَة" حيثيّتِها. ويمكنُ لسياسة المصلحة أن تُحقِّقَ، بذلك، مكاسبَ آنيّة، لكنّها، في المقابل، تفقدُ شرعيّتها واستقرارَها، على المدى البعيد.

من هنا، ما أَحوَجَنا الى خطابٍ رشيد، يَدرأُ خطرَ مواجهةٍ "بلديّة"، لا يستطيعُ الواحدُ أن ينأى عن ذيولِها المدمِّرة، فتصبح البلاد، أيّ بلاد، بسببِ الاصطفاف الأرعن، وسوءِ القراءة، سادومَ العصر الحديث.

$ كاتب واستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار