مشكلتي المهنية الكبرى مع معظم العرب، وبخاصة من يعيشون رغداً في الحياة، ويتبوأن مناصب صغيرة أو كبيرة، في غفلة عن التاريخ والناس.
أنني كصحافي، وإعلامي، أحبّ النشر والعلن، وحرية التعبير والفكر والرأي الآخر المخالف، بالصوت والصورة، سواء للكلام الحرّ الملفوظ، أو المكتوب، عن أي موضوع حيوي، وفي كل موضوع حياتي.
فأنا لا أؤمن بالخطوط الحمر للنشر، إلا بموجب قانون صريح، وأكره الإعلان الموجّه من ذوي المال والنفوذ، وذوي الأفق الضيق والنظرة المحدودة.
فالشعب وقضايا المجتمع العامة، لا الخاصة، الشغل الشاغل للصحافي الحقيقي، هذا ما يفعله الصحافيون الحقيقيون في الدول المتقدمة المتحضرة، وما تعلمناها من الحياة، ومن أساتذتي في كلية الآداب جامعة عين شمس المصرية الحديثة.
وهذا ما يشقيني في هذه الحياة الصعبة، والمرّة معا، فالمسؤول في كل زمان ومكان، لا يريد أن يزعجه أحد، يريد أن يستفرد بالذين تحت امرته، ولا يريد لصوت أن يعلو فوق صوته.
فإذا تجرأ صحافي بالنشر والتعميم، وصار لأدائه بالمرصاد، كما تقتضي مهنته، حاربه، بكل وسيلة يملكها.
الحجر والمنع والقطع، والتعتيم والحجب، والإعلام الموجّه لا ينفع، ولا يبني مجتمعاً واعياً مستنيراً.
أذكر أحدهم كان يزودني بكل ما هو مزعج، ضد رئيسه الزراعي، ويؤمن بحرية النشر والتعبير، ويشجعني عليها؛ ولما استقام له الأمر وصار مسؤولاً كبيراً، أول ما عمله، أدار ظهره لي، وعمل كل ما يستطيع لمنعي من نقد أدائه، بل وحاربني في كسب لقمة عيشي، وعيش أسرتي.
معظم العرب يحلل نقد الآخر، عندما يكون بعيداً عن المركز، ولما يتمرأس يحرم النقد الصحافي.
يعني، مشكلتنا شائكة نحن الصحافيين في العالم العربي.
ذات مرّة أراد رئيس اتحاد زراعي، أن يتحدث عن تجاوزات زميله الزراعي، عبر صفحتي "الزراعية" الأسبوعية في جريدة "السياسة" الكويتية.
بالفعل أجريت الحديث معه، بعد النشر، وعندما رفع من تحدث عنه (زميله في الاتحاد الزراعي) قضية، ادّعى أن بعض ما جاء في حديثه، لم يقله لي!
ورغم تسجيلي للحديث، وتوثيقه، ومع ذلك أو ورغم ذلك؛ سأظل وفياً لحرية النشر، حتى آخر يوم في حياتي.
لأن هذه مهنتي الصحافية، وعندما ألغي مهنتي ألغي ذاتي.
$ صحافي فلسطيني