دخل الخبير الديوانية، وهو متضايق، كأنه راجع من اجتماع طارئ لمناقشة انهيار محادثات فتح مضيق هرمز.
واول ما جلس صاح على القهوجي: يا قبير، أنا عايز قهوة وحياة ابوك، الفنجان فل زي ما بيشربوا الشباب، وبالمرة ترتاح من الوقفة فوق راسي.
رفع الشايب رأسه من فوق الفنجال، وناظره باستغراب، وقال: أفا يا ذا العلم، انت تبي تخرب سلم صب القهوة؟
قال الخبير مستغرباً: سلام قولاً من رب رحيم، يعني هي الطوبة ما جتش إلا بحضرة جنابي، ماكل الشباب يعملوا كدا، اشمعنى أنا؟
المعاق وهو يضحك: خبير وما تفهم، والله مشكلة، أجل ليه مسميك الحجي خبير؟
قال الشاب: تصدق بالله أول مرة أفكر، حنا حاطينه خبير على وشو، الحبيب طلع مخه مسوس؟
تنحنح الخبير وقال: قالوها بالأمثال، إذا طاح الثور كثرت سكاكينه.
قال الشايب: إي ثور يا بعد حيي؟ المثل يقول إذا طاح الجمل كثرت سكاكينه، بس دامك مصر تكون ثور فهذا بكيفك.
انفجر المجلس ضحكاً، ثم عدل الشايب جلسته، وقال: اسمع يا خبير البين، إذا القهوجي صب لك نص الفنجال، أو ترسه يوم وراء يوم، القهوجي يتعود، وينسى أصول صب القهوة العربية. اليوم تترس الفنجال، وباچر واحد يشربه واقف، وعقب بكره واحد يطلب معه تشيز كيك، وعقبها واحد يسأل: عندكم لاتيه؟
وبعد خمس سنين تلقى القهوجي لابس مريول أسود، ومعلق لوحة على الباب: كافيه جدوو للقهوة المختصة، والحلويات الفرنسية. وكل طلب معه جهاز مناداة هزاز للزبون.
قال المعاق: وأنا والله ما أستبعد، يكون الخبير أول واحد يحجز عضوية ذهبية.
قال الخبير: انتم مكبرين الموضوع كدا ليه؟
رد الشايب: إي نعم مكبرينه، لأن كل خراب يبدأ بفكرة صغيرة صاحبها قال: ما فيها شيء، واحد قال: ما فيها شيء أتأخر عشر دقايق، وصار يتأخر ساعة، وثاني قال: ما فيها شيء اجذب كذبة بيضا. وصار مصنع جذب متنقل، وثالث قال: ما فيها شي أترس الفنجال؟ وصار جيل كامل يحسب القهوة العربية شوربة عدس.
قال الشاب: والله يا حجي يوم تفكر فيها، تلقى العادات ما تضيع مرة وحدة.
قال الشايب: هذا الكلام المزبوط، العادات تموت شوي... شوي اليوم فنجال متروس، وبكره واحد يهز الفنجال للقهوجي قبل ما يشرب، وعقبه واحد يطلب سكر زيادة. وعقبه واحد يطلبها وذ ايس، ومع الوقت يجيك واحد يقول: لو سمحت، أبي قهوة عربية بدون كافيين، وحليب شوفان.
طاح المعاق على الارض من الضحك، وقال: باچي يطلبونها حجم صغير ومتوسط وكبير.
التفت الخبير للقهوجي، وقال: خلاص يا ابني، صبها على زي الكتاب ما بيقول.بس مش عاوز أشوف قاع الفنجان من أول شفة.
وعاد الضحك يدوي في الديوانية كلها.
كان الرجل ساكت طول الوقت، يقلب سبحته، يتابع النقاش وبعد ماسكتوا قال: اللي يفرط بالأصول بحجة الراحة مثل اللي يبيع باب بيته، لأنه ثقيل الفتح، وعقبها يستغرب ليش بيته ينسرق؟
ثم شف فنجاله وقال: اللي يبي الفنجال متروس، فهذا مكانه عند أهل العصيرات مو عند أهل الدلال.
ثم وجه كلامه للخبير، وقال مبتسماً: اللي ما يعرف قدر الفنجال لا تعطيه الدلة. فانفجر الديوان ضحكاً.
أما الخبير فجلس يناظر فنجاله الصغير بحزن، وكأنه ينظر إلى مشروع عمره الذي سقط قبل أن يشوف النور.
قال المتمولس: فيه سؤال محيرني: نار الشوق حطب والا غاز؟ وإذا بصوت الشيخ زغلول يرتفع على مسامعنا فجأة: الله أكبر... الله أكبر...فسكت المجلس كله.
$ كاتب كويتي