من المراجعات المفيدة التي تستحق التمعن، والتحليل والتعميم، ثروات تنظيم الإخوان المسلمين في الكويت وخارجها، فتكوين الإسلام السياسي له أكثر من مصدر تمويل، لكن في المجمل يمكن تلخيص هذه الثروات -مجازاً- في «مجموعة الإخوان المسلمين القابضة».
إن هذه المجموعة ليست مجموعة استثمارية قابضة، كما هو متعارف عليه في عالم المال والاستثمار، بل هي توصيف أدق للجهات الأم الممولة للجماعة، أو المصرف العملاق للإسلام السياسي، ومنبع تمويل التنظيم.
ولعل من أبرز المحطات التي لا ينبغي تجاوزها «بنك التقوى الإسلامي»، الذي تأسس في ثمانينيات القرن الماضي كإمبراطورية مالية للجماعة على يد القيادي في حركة «الإخوان» يوسف ندا.
وقد نقل ندا، قبل وفاته، عن لقاء جمعه مع ممثل لجماعة «الإخوان» في الكويت مع صدام حسين إبان الغزو العراقي، إلا أن هوية هذا الممثل، وتفاصيل اللقاء ظلت مبهمة وغامضة!
فالجزء الفاعل والمهيمن في تنظيم الإخوان المسلمين الدولي لم يكشف عن تفاصيل لقاء يوسف ندا والشريك الكويتي، مع رئيس النظام العراقي البائد صدام حسين، إذ يعملون ضمن نطاق محكم من السيطرة والتوجيه، والكتمان الشديد.
وبعد مرور نحو 25 عاماً، زعم القيادي في جماعة «الإخوان» في الكويت، السيد مبارك الدويلة، أنه جرى «تلاوة» رسالة من نائب المرشد العام للتنظيم، مصطفى مشهور، خلال «مؤتمر جدة الشعبي».
غير أن هذا الادعاء يتعارض مع الحقائق والوثائق الخاصة بالمؤتمر، فضلاً عن عدم صحة الزعم أن تلك الرسالة كانت ضمن «الرسائل الواردة» إلى المؤتمر، أو أُدرجت ضمن أعماله، ووثائقه الرسمية.
وبعد التحرير، ظهرت «الحركة الدستورية الإسلامية» باعتبارها الامتداد الكويتي لتنظيم «الإخوان المسلمين»، مدعيةً الانفصال عن التنظيم الدولي بسبب موقفه من الغزو العراقي، إلا أن كثيرين رأوا في ذلك إعادة تموضع سياسي، لا قطيعة تنظيمية كاملة.
وقد استقبل التنظيم الدولي للإخوان المسلمين ولادة الكيان الكويتي الجديد بصمت لافت، ومن دون أي اشتباك تنظيمي، أو اعتراض معلن، بما أوحى بوجود تفاهم ضمني، أو تسوية، غير معلنة بين الطرفين، تسمح بإعادة التموضع وتبديل العناوين من دون الوصول إلى قطيعة حقيقية، أو مواجهة تنظيمية صريحة.
وبعد عملية «الأقصى الحمساوية»، نشر القيادي للجماعة مبارك الدويلة معلومة، وللمرة الاولى في صحيفة كويتية يومية عن وساطته ترتيب لقاء بين وفد لحركة «حماس» مع الأمير الوالد الراحل الشيخ سعد العبدالله الصباح، في مدينة جدة في ديسمبر 1990.
ورغم مشروعية التساؤلات عن رسالة مصطفى مشهور، واللقاء المزعوم مع وفد «حماس» في مدينة جدة، لم يبادر السيد الدويلة، أو أي من قيادات الحركة الدستورية، إلى تأكيد هذه الوقائع، أو تقديم أدلة، تثبت صحة هذه المزاعم.
اليوم، وبعد مرور نحو 36 عاماً على الغزو العراقي للكويت، لا تزال تلك الحكايات، والادعاءات، تدور في دائرة الغموض والالتباس داخل وثائق جماعة الإخوان المسلمين في الكويت، من دون أن تُسندها أدلة قاطعة، أو وثائق دامغة.
وفي المقابل، تبقى الحقيقة الثابتة، والمؤكدة، أن تلك الادعاءات لم تثبت صحتها، وأن إعادة تدويرها بعد كل هذه العقود لا تغيّر من الوقائع شيئاً، بقدر ما تثير تساؤلات مشروعة حول أسباب استمرار توظيف الروايات الملتبسة على حساب الحقيقة التاريخية الموثقة!
بلا شك أن دور «الإخوان» في الكويت ليس هوامش يمكن اهمالها، أو تجاوزها سياسياً وتاريخياً؛ فقد اعتدنا من جماعة الإسلام السياسي محاولات الانقضاض على الأحداث، الدولية والإقليمية، لكن المؤسف أن الجهات المعنية بالتوثيق والإعلام، إما تجامل وإما تهمل التصدي لمزاعم «الإخوان».
أما عن مجموعة الإخوان المسلمين القابضة، فالوثائق المنشورة تؤكد ارتباطها بشخصية كويتية ثرية تأثرت منذ أربعينيات القرن العشرين بفكر جماعة «الإخوان» في مصر، وربما لا تزال تلك الثروة تمثل أحد مصادر التمويل والدعم لمجموعة «الإخوان المسلمين القابضة».
وللمجموعة أكثر من ذراع ديني ذي طابع سياسي، من دون الجزم بيقين قاطع بطبيعة العلاقة التنظيمية لجمعية الإصلاح الاجتماعي، أو لجانها الخيرية، داخل الكويت وخارجها، وهو ما استدعى خلال الفترة الأخيرة مراجعات حكومية، وإجراءات رقابية، أكثر تشدداً تجاه آليات تدفق الأموال، وتنظيم العمل الخيري، وضبط مجالات العمل الديني عموماً، بما يعزز الشفافية ويصون المصلحة الوطنية.