الثلاثاء 23 يونيو 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
لماذا يجب تجميد العلاقات الاقتصادية الخليجية مع إيران؟
play icon
كل الآراء

لماذا يجب تجميد العلاقات الاقتصادية الخليجية مع إيران؟

Time
الاثنين 22 يونيو 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

إذا انتهت الحرب، ووقّعت الاتفاقيات، وتوقفت الصواريخ والمسيرات، وعادت الوفود الديبلوماسية إلى التنقل بين العواصم، فهل ينبغي لدول الخليج أن تعود فوراً إلى العلاقات الاقتصادية الطبيعية مع إيران؟

في تقديري أن الجواب هو: لا. بل إن من الحكمة السياسية والأمنية والاقتصادية أن تتجه دول الخليج إلى تجميد أي توسع اقتصادي جديد مع إيران لمدة عام كامل على الأقل، يعاد خلاله تقييم المشهد، ودراسة سلوك النظام الإيراني بعد الحرب، قبل اتخاذ أي قرارات ستراتيجية طويلة الأمد.

فالسلام الحقيقي لا يُقاس بتوقيع الاتفاقات، إنما بما يحدث بعدها.

لقد شهدت المنطقة خلال العقود الماضية عشرات الاتفاقات والتفاهمات، والتعهدات، التي انتهى كثير منها إلى نتائج مختلفة عما كان مأمولاً، ولذلك فإن الدول الناجحة لا تبني سياساتها على النوايا، بل على الوقائع والنتائج، والسلوك الفعلي على الأرض.

إن المشكلة الأساسية لا تكمن في الشعب الإيراني، وهو شعب عريق يستحق التنمية والاستقرار، والعلاقات الطبيعية مع جيرانه، وإنما في السياسات التي حكمت إيران خلال العقود الماضية، والتي قامت على تصدير الأزمات إلى الخارج، ودعم الجماعات المسلحة، والتدخل في شؤون عدد من الدول العربية، وتحويل جزء كبير من موارد الدولة إلى أدوات نفوذ إقليمي، بدلاً من توجيهها إلى التنمية الداخلية.

ولهذا فإن انتهاء الحرب لا يعني تلقائياً انتهاء هذه السياسات.

فالدستور نفسه لا يزال قائماً، والمؤسسات نفسها لا تزال قائمة، والعقيدة السياسية التي حكمت إيران لعقود طويلة لا تزال حاضرة، ولم تظهر، حتى اليوم، مؤشرات كافية على حدوث مراجعة شاملة لهذا النهج.

من هنا فإن إعادة فتح الأبواب الاقتصادية على مصاريعها، فور انتهاء الحرب، قد تكون خطوة متسرعة تمنح النظام الإيراني مكاسب اقتصادية كبيرة، قبل التأكد من حدوث تغييرات حقيقية في سلوكه الإقليمي.

إن دول الخليج ليست مطالبة بالعداء الدائم، كما أنها ليست مطالبة بالنسيان السريع. فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على العواطف، إنما على المصالح والثقة، والالتزام المتبادل.

ولذلك فإن فترة عام كامل من التريث والتقييم تبدو خياراً منطقياً ومتوازناً، تراقب خلالها دول الخليج عدداً من المؤشرات المهمة:

أولها: مدى التزام إيران الفعلي بعدم التدخل في شؤون الدول العربية.

ثانيها: مستقبل الجماعات المسلحة، والميليشيات، المرتبطة بها في المنطقة.

ثالثها: طبيعة الخطاب، السياسي والإعلامي، الإيراني تجاه دول الخليج.

رابعها: مدى وجود مراجعات حقيقية للسياسات التي تسببت في أزمات المنطقة خلال العقود الماضية.

خامسها: اتجاه الإنفاق الإيراني بعد الحرب، وهل سيوجه نحو التنمية الداخلية، أم نحو إعادة بناء أدوات النفوذ الخارجي.

التاريخ يعلمنا أن أخطر الأخطاء الستراتيجية هي تلك التي تُرتكب في لحظات التفاؤل المفرط بعد انتهاء الحروب، حين يظن الجميع أن صفحة الماضي قد أغلقت بالكامل، بينما تكون أسباب الأزمة لا تزال قائمة تحت السطح.

ولهذا فإن الحكمة الخليجية اليوم لا تتمثل في القطيعة الدائمة، ولا في الانفتاح السريع، وإنما في التريث المدروس.

عام واحد فقط قد يكون كافياً لاختبار النوايا، ومراقبة السلوك، وقياس الاتجاه الحقيقي للسياسة الإيرانية بعد الحرب.

فإذا أثبتت الأحداث أن المنطقة دخلت فعلاً مرحلة جديدة قائمة على احترام السيادة، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، فسيكون من مصلحة الجميع بناء علاقات، طبيعية ومستقرة، تخدم شعوب المنطقة كافة.

أما إذا أثبتت التجربة أن ما تغير هو شكل الأزمة فقط، بينما بقيت أسبابها الحقيقية كما هي، فإن ذلك العام سيكون قد وفر على دول الخليج سنوات طويلة من الأخطاء، والتكاليف، والمخاطر.

السياسة الحكيمة لا ترفض السلام، لكنها تختبره أولاً.

آخر الأخبار