قصص إسلامية
الكبر والرعونة والعصبية تؤدي إلى طامات كبيرة، وأخطاء جسيمة وكوارث على البلاد والعباد، يستحيل إصلاحها.
عندما مزق كسرى خطاب النبي (صلى الله عليه وسلم)، دعا النبي عليه بقوله: "اللهم مزق ملكi"فماذا كانت الكارثة؟
مزّق الله ملكه. فهل تعلم كيف مُزّقت مملكته؟
قرابة سنة 628 ميلادية بعث رسول الله شجاع بن وهب إلى كسرى خسرو الثاني، فأمر كسرى بإيوانه أن يزين، ثم أذن لعظماء فارس، ثم أذن لشجاع بن وهب، فلما أن دخل عليه أمر كسرى بكتاب رسول الله أن يقبض منه. فقال شجاع بن وهب: لا حتى أدفعه أنا إليك كما أمرني رسول الله.
فقال كسرى: إدنه، فدنا فناوله الكتاب، ثم دعا كاتبا له من أهل الحيرة، فقرأه فإذا فيه: من محمد بن عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس.
قال: فأغضبه حين بدأ رسول الله(صلى الله عليه وسلم) بنفسه، وصاح، وغضب، ومزق الكتاب، قبل أن يعلم ما فيه، وأمر بشجاع بن وهب فأخرج.
فلما رأى ذلك قعد على راحلته، ثم سار، ثم قال: والله ما أبالي على أي الطريقين أكون، إذ أديت كتاب رسول الله.
قال: ولما ذهبت عن كسرى ثورة غضبه، بعث إلى شجاع ليدخل عليه، فالتمسه فلم يجده.
فلما قدم شجاع على النبي أخبره بما كان من أمر كسرى، وتمزيقه لكتاب رسول الله، فقال النبي: "مزق كسرى ملكه".
في تلك الفترة كان هرقل امبراطور الروم يشن الحملة المضادة ضد الفرس، ويُمنيهم بهزائم ساحقة مذلة، الواحدة تلو الأخرى في مصر والأناضول وسورية والعراق، لم يكتف باستعادة الأراضي التي احتلها الفرس، قبل سنوات قلائل، بل استولى على مدن فارسية خالصة، متوجها نحو عقر دارهم المدائن، وقد بيّن الله تعالى هذا الأمر بقوله تعالى: "وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين".
مع تقدم الجيوش الرومية وتقهقهر الفرس، هرب كسرى إلى مدينة دستغرد بالقرب من بغداد، واختبأ هناك، دون أن يعطي أي دلائل على أنه سيواصل الحرب، وعلى أثر هزائمه المتواصلة، حرر وزراء الفرس ابن كسرى (قباذ الثاني) الذي سجنه كسرى إثر خلاف بينهما، ونصبوه ملكا.
ويستمر مسلسل التمزيق إذ القى قباذ القبض على أبيه وحبسه في قبو تحت الأرض، ولمدة أربعة أيام حتى جاء اليوم الخامس، تم إعدامه بإطلاق السهام عليه ببطء من بداية اليوم حتى نهايته.
مات كسرى أبشع ميتة خلال أشهر من تمزيق رسالة النبي (صلى الله عليه وسلم).
وبعد أيام من تولية قباذ، عقد صلحا مذلاً مع هرقل ليتجنب سقوط المدائن، وتعهد بإخلاء جميع الأراضي الرومية، وغير الرومية، بل أرجع إليهم الغنائم والتحف، التي استولوا عليها قبل بضع سنوات فقط.
ثم قتل جميع إخوانه الذكور الثمانية عشر، حتى يوطد أركان ملكه، وخلال أشهر من توليه العرش مات قباذ فجأة، وبعد موته لم يكن هناك إلا ابنه ذو السبع سنوات أردشير الثالث، ونصبوه ملكا، ثم بعد سنة ونصف السنة فقط قتل هذا الطفل (حفيد كسرى) على يد الجنرال شهربراز، الذي كان حانقاً على كسرى وقباذ لأنه، كان يعزو لنفسه الفضل في الإنتصارات القديمة، التي لم يحافظ عليها كسرى بسياسته الغبية، مما استتبع الهزيمة المذلة في هجمة الروم المضادة، وضياع كل ماحققه من انتصارات.
وعندما عقد قباذ الصلح، وأرجع كل شيء للروم، انخرط الجنرال الحانق في مؤامرات ودسائس، انتهت بانقلاب الجنرال واستيلائه على المملكة، وبقتل الحفيد ونصب نفسه ملكا، وبعد سنة واحدة فقط، نحر هذا الجنرال في الإيوان، وتنصيب ابنة كسرى براندخت ملكة على فارس.
هذه الملكة فشلت فشلاً ذريعاً في إعادة الإستقرار إلى المدائن، ثم ذبحت بعد سنة واحدة فقط،اي عام 631 ميلادية، تولت ابنة كسرى الثانية أزمريدخت العرش، وللخروج من الفوضى، اقترح عليها أحد الجنرالات، واسمه فروخ أن تتزوجه، لكنها رفضت وقتلته، فجاء ابن ذلك الجنرال رستم بن فروخ زاد، وحاصر المدائن بجيشه، وقبض على الملكة، وفقأ عينيها، ثم قتلها.
كل ذلك حصل خلال أشهر من توليها العرش، ثم جاء هرمزد الرابع، وهو ليس من سلالة كسرى، بل من إحدى العائلات النبيلة، واستغل الوضع ونصب نفسه ملكا في أحد الأرجاء، واستتبعه عدد من الطامحين في العائلات النبيلة في مناطقهم، لقد تمزقت فارس.
وتم تنصيب حفيد آخر لكسرى، هو يزدجر الثالث آخر ملوك فارس. ونصبوه سنة 632 ميلادية، وهو مراهق في السادسة عشرة، وقائدا جيشه هما رستم وفيروز، وهذان الإثنان كان بينهما مشاحنات وخصام، لكنهما اتحدا من أجل الملك الجديد على أمل الإستقرار والنهوض.
وإذا بسيوف الجيوش الإسلامية تدق أبواب فارس، وابتدأ الهجوم على الأراضي الفارسية بعد سنة واحدة من تنصيب المراهق، أي في 633، واستمرت ثلاث سنوات تم فيها تدمير جيش كسرى وتمزيق ملكه عام 636 ميلادية في معركة القادسية.
$ إمام وخطيب