مرايا الروح
ليست كل الاعتراضات على حدودك الجديدة، نابعة من الحرص عليك، كما أنها ليست دائماً تعبيراً عن محبةٍ خالصة، أو خوفٍ مشروع من التغيير. ففي كثيرٍ من الأحيان، يكون انزعاج البعض من حدودك الجديدة انعكاساً لفقدان امتيازاتٍ اعتادوا الحصول عليها، في ظل غياب تلك الحدود.
فالإنسان الذي تعلّم أن يقول "نعم" للجميع، حتى على حساب راحته ومشاعره، يبدو محبوباً في أعين الكثيرين. ليس لأن الجميع يحبونه حقاً، بل لأن وجوده يلبّي احتياجاتهم ويحقق رغباتهم. وحين يقرر فجأة أن يمنح نفسه حقّها الطبيعي في الرفض، وأن يحمي وقته، وأن يضع مسافةً آمنة بينه وبين ما يؤذيه، تبدأ بعض الأقنعة بالسقوط، وتظهر ردود فعل لم يكن يتوقعها.
إن الحدود الشخصية ليست جدراناً للعزلة، وليست إعلان حربٍ على الآخرين، بل هي خطوط احترام ترسمها النفس، لتحافظ على كرامتها وتوازنها.
إنها اللغة الصامتة التي تقول للآخرين: "هنا ينتهي حقكم، وهنا يبدأ حقي". غير أن هذه اللغة لا تعجب من اعتادوا الدخول إلى حياتك بلا استئذان، أو استهلاك طاقتك، دون اعتبار، أو تحميلك ما لا تطيق بحجة القرابة أو الصداقة، أو المحبة.
وحين يتصرف البعض دون مراعاةٍ لمشاعرك، فإنهم لا يجرحون قلبك فقط، بل يكشفون ضيق أفقهم الإنساني، وعجزهم عن إدراك أثر الكلمة، والموقف في نفسك.
ولهذا، فإن أول من يضيق بالحدود غالباً هم أولئك الذين استفادوا طويلاً من غيابها. فالمستفيد من تنازلاتك المستمرة لن يسعد باستقلالك، ومن اعتاد طيبتك وسكوتك، قد يستثقل صوتك حين تضع حدودك، وتدافع عن حقك.
ومن اعتاد أن يجدك متاحاً في كل وقت لن يتقبل، بسهولة، أن يصبح لوقتك قيمة، ومن رأى في صمتك موافقةً دائمة سيزعجه أن تمتلك صوتاً، يعبر عن رفضك.
والمفارقة أن بعض الناس لا يدركون أنهم كانوا يتجاوزون حدودك أصلاً، لأنك كنت تسمح بذلك تحت ضغط المجاملة، أو الخوف من خسارة العلاقات. وحين تتغير، يظنون أنك أصبحت متذبذباً، أو متقلباً، أو أقلَّ ليناً مما كنت، بينما الحقيقة أنك لم تتغير بقدر ما توقفت عن إهمال نفسك.
إن النضج الحقيقي يبدأ عندما يدرك الإنسان أن إرضاء الجميع مهمة مستحيلة، وأن الحفاظ على ذاته ليس أنانية، بل مسؤولية. فالحياة التي تُبنى على التنازل المستمر تنتهي غالباً بالاستنزاف، والعلاقات التي لا تحتمل كلمة "لا"، ليست علاقات صحية، بل ترتيبات غير متوازنة اعتاد فيها طرفٌ أن يأخذ أكثر مما يعطي.
ولذلك، لا تجعل انزعاج الآخرين من حدودك سبباً للتراجع عنها. فكل خطوة تخطوها نحو احترام ذاتك، قد تزعج من اعتادوا تجاهلها. وكل مساحة تمنحها لنفسك قد تبدو خسارةً لمن كان يستحوذ عليها.
وليس مطلوباً منك أن تبرر حقك في الراحة، أو أن تعتذر عن حماية سلامك النفسي، أو أن تشعر بالذنب لأنك اخترت نفسك، بعد سنواتٍ، من تقديمها قرباناً لتوقعات الآخرين.
فالحدود ليست جفاءً، بل وعي. وليست رفضاً للناس، بل احتراماً متبادلاً بينهم وبينك. ومن أحبك لذاتك سيحترمها، ومن أحب ما كان يجنيه منك فقط، فسيقاوم أي تغيير يحرمُه من تلك المساحة التي اعتاد أن يأخذها على حساب مشاعرك، مستنداً إلى كرم أخلاقك وسعة صدرك.
وفي النهاية، تذكّر أن الأشخاص الذين يغضبون من أبوابك المغلقة، هم غالباً أولئك الذين اعتادوا الدخول دون طرقها. أما الذين يقدّرونك حقاً، فسيحترمون حدودك الجديدة، لأنهم يدركون أن الإنسان لا يفقد لطفه عندما يضع حدوداً، بل يحافظ على مشاعره وكرامته من الاستنزاف، والتجاوز المتكرر.
$ كاتبة كويتية