لم تعد الصراعات الدولية عسكرية، بالمعنى التقليدي، انما شهد المفهوم تحولاً جوهرياً، وأصبحت التكنولوجيا موضوعا للتنافس بين القوى الكبرى، ومحدداً لسياستها الخارجية.
وقت صدر كتاب مهم جدا بعنوان "حرب الرقائق" للكاتب والباحث كريس ميلر سنة 2022.
الصراع من أجل التكنولوجيا الأكثر أهمية في العالم، ويعد الكتاب تاريخ جيوسياسي للرقائق الالكترونية، وأهميتها الستراتيجية والتنافس الدولي حولها، لا سيما بين الولايات المتحدة والصين.
وقد عرض كريس ميلر عن التحولات التاريخية المختلفة في صناعة الرقائق الالكترونية، وكيف أصبحت شركة تايوان لتصنيع الرقائق "Tsmc" أحد أهم روابط سلاسل التوريد العالمية للرقائق.
فبعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الشركات الأميركية تسعى، وبشكل متزايد، في طلب وتصنيع الرقائق من وادي السيليكون وهي منطقة بالقرب من فرانسيسكو، فيها أكبر الشركات التكنولوجية.
وقد حاول الاتحاد السوفياتي، أنذاك، تطوير نسخته الخاصة من وادي السيليكون، إلا أنه كان في المرتبة الثانية مقارنة بسوق تصنيع الرقائق الأميركية.
كما أن الشركات الأوروبية دخلت سوق الرقائق، ومع ذلك لم تشكل تصنيع الرقائق الأوروبية تهديداً جدياً للهيمنة الأميركية.
التطور التالي في صناعة الرقائق جاء من آسيا فصعود منتجي التكنولوجيا العالمية، مثل "سوني" و"سامسونغ" في اليابان وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ، وسنغافورا وتايوان، بدا أن آسيا ستتجاوز الولايات المتحدة كأكبر قوة في مجال الرقائق.
وفور وصول الرئيس شي جين بينغ في مارس 2013 ركزت الصين على تحقيق اختراقات في التكنولوجيا الأساسية للرقائق فتلك الرقائق، هي المادة الاساسية في صناعة الحواسيب، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي والحوسبة الحالية، والشبكات ووحدات المعالجة.
قدمت إدارة ترامب في ولايته الأولى سلسلة من الضربات المؤلمة لصناعة الرقائق في الصين، من خلال فرض قيود تصدير إلى الصين على جميع منتجات الرقائق، التي تصنع في الولايات المتحدة، ومن خلال استدراج الحلفاء الجيوسياسيين الى النهج نفسه، والالتزام الأميركي بعدم التصدير إلى الصين، وأهمها تايوان.
وقد استمرت تلك السياسة في الإدارة الأميركية اللاحقة، ومقدر لها أن تستمر مع عودة ترامب للمرة الثانية للسلطة، مع فرض عقوبات على الشركات التي تفشل في الامتثال بعدم تزويد الصين بتلك الرقائق.
تحاول الصين حالياً أن تكون أقل اعتماداً على القدرات الأجنبية في إنتاج الرقائق. لكن العالم يمر بتحول رقمي وتكنولوجي سريع، والقوة العسكرية أيضا اصبحت تعتمد على أنظمة حوسبية بالغة التعقيد والتطور، والذكاء الاصطناعي، والتشغيل الآلي، وتعلم الآلة والواقع الافتراضي، إذ تم تحويل الاسلحة من الصواريخ الموجة بالليزر الى الغواصات، والسفن، والطائرات، وبالتالي فإن القوة العسكرية الجديدة، لن تكون محصورة في عدد الدبابات، أو الجنود التي تملكها، بل يمكن تنفيذ الهجمات من مسافات بعيدة وموارد بشرية قليلة لكن بتكنولوجيا عالية الدقة لتحقيق الحسم العسكري.
ومن المرجح أن تتصاعد حدة تلك الحرب، اي حرب الرقائق، كما سماها كريس ميلر بين الولايات المتحدة والصين، فبرغم من تفوق الولايات المتحدة في هذا المجال، إلا أن الصين تتقدم بسرعة على الرغم من الاحتواء الأميركي لها.