الجمعة 26 يونيو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
آراء طلابية

حدود النظام العام في حظر التحكيم بمسائل لا تقبل الصلح

Add as Preferred Source on Google
Time
الجمعة 26 يونيو 2026

إن‭ ‬مبدأ‭ ‬سلطان‭ ‬الإرادة‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬للتحكيم،‭ ‬إذ‭ ‬يملك‭ ‬الخصوم‭ ‬بموجبه‭ ‬صياغة‭ ‬عدالة‭ ‬خاصة‭ ‬تنزع‭ ‬النزاع‭ ‬من‭ ‬القضاء‭ ‬الرسمي‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرية‭ ‬ليست‭ ‬مطلقة،‭ ‬بل‭ ‬تصطدم‭ ‬جدارياً‭ ‬بحدود‭ ‬النظام‭ ‬العام،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جسده‭ ‬المشرع‭ ‬الكويتي‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬173‭ ‬مرافعات‭ ‬بحظر‭ ‬التحكيم‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬فيها‭ ‬الصلح‭.‬

هذا‭ ‬القيد‭ ‬يمثل‭ ‬صمام‭ ‬أمان‭ ‬لحماية‭ ‬المصالح‭ ‬العليا‭ ‬للمجتمع،‭ ‬فكل‭ ‬مسألة‭ ‬تخرج‭ ‬عن‭ ‬التصرف‭ ‬المالي‭ ‬الحر‭ ‬للأفراد،‭ ‬وتتشابك‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬العام،‭ ‬تخرج‭ ‬بالتبعية‭ ‬من‭ ‬ولاية‭ ‬المحكمين،‭ ‬وتظل‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬القضاء‭ ‬الرسمي‭ ‬للدولة‭ ‬وحده‭. ‬

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الفقهي،‭ ‬يثور‭ ‬النقد‭ ‬حول‭ ‬غموض‭ ‬المعيار‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬بين‭ ‬النظام‭ ‬العام،‭ ‬وعدم‭ ‬جواز‭ ‬الصلح،‭ ‬كقيود‭ ‬على‭ ‬التحكيم‭. ‬يرى‭ ‬الفقه‭ ‬الناقد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الربط‭ ‬يفتقر‭ ‬للتحديد؛‭ ‬فالصلح‭ ‬يمتنع‭ ‬في‭ ‬مسائل‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية،‭ ‬والجنايات،‭ ‬والنزاعات‭ ‬الإدارية‭ ‬السيادية‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬يواجه‭ ‬إشكالية‭ ‬التجزئة‭ ‬الإجرائية‭ ‬للنزاع؛‭ ‬إذ‭ ‬ينطوي‭ ‬الملف‭ ‬الواحد‭ ‬أحيانا‭ ‬على‭ ‬شق‭ ‬جنائي،‭ ‬كالتزوير،‭ ‬وشق‭ ‬مالي‭ ‬كقيمة‭ ‬العقد،‭ ‬مما‭ ‬يضع‭ ‬المحكم‭ ‬في‭ ‬حيرة‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬صلاحيته‭ ‬في‭ ‬الفصل‭ ‬بالجانب‭ ‬المالي‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بصلب‭ ‬النظام‭ ‬العام‭. ‬

وعند‭ ‬إسقاط‭ ‬هذا‭ ‬الحظر‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬القضائي‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬محكمة‭ ‬التمييز‭ ‬تبنت‭ ‬موقفا‭ ‬صارما‭ ‬يحمي‭ ‬النظام‭ ‬العام،‭ ‬دون‭ ‬شل‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭. ‬فالقضاء‭ ‬المستقر‭ ‬يعتبر‭ ‬بطلان‭ ‬شرط‭ ‬التحكيم‭ ‬في‭ ‬المسائل‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للصلح‭ ‬بطلانا‭ ‬مطلقا،‭ ‬تقضي‭ ‬بهالمحكمة‭ ‬من‭ ‬تلقاء‭ ‬نفسها‭.‬

ورغم‭ ‬هذه‭ ‬الصرامة،‭ ‬وضع‭ ‬القضاء‭ ‬خطاً‭ ‬فاصلاً‭ ‬يمنع‭ ‬الخصوم‭ ‬من‭ ‬التذرع‭ ‬بالنظام‭ ‬العام‭ ‬للتهرب‭ ‬من‭ ‬التحكيم؛‭ ‬حيث‭ ‬فرق‭ ‬بين‭ ‬موضوع‭ ‬النزاع‭ ‬والآثار‭ ‬المالية‭ ‬المترتبة‭ ‬عليه،‭ ‬فأجاز‭ ‬التحكيم‭ ‬في‭ ‬الحقوق‭ ‬المالية‭ ‬الناشئة‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬المسائل‭ ‬المستبعدة‭.  ‬إن‭ ‬رسم‭ ‬خطوط‭ ‬التماس‭ ‬بين‭ ‬سلطة‭ ‬المحكم،‭ ‬وسيادة‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬ليس‭ ‬عقبة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تنظيم‭ ‬غائي‭ ‬يحمي‭ ‬مشروعية‭ ‬الحكم‭ ‬التحكيمي‭ ‬وضمانة‭ ‬لنفاذه‭. ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الفقه‭ ‬المعاصر‭ ‬يدفع‭ ‬باتجاه‭ ‬تضييق‭ ‬مفهوم‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬لتعزيز‭ ‬جاذبية‭ ‬التجارة،‭ ‬فإن‭ ‬المشرع‭ ‬الكويتي‭ ‬أحاط‭ ‬المسألة‭ ‬بضوابط‭ ‬صارمة،‭ ‬تقي‭ ‬المجتمع‭ ‬مغبة‭ ‬خصخصة‭ ‬العدالة‭ ‬السيادية‭.‬

إن‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬مرونة‭ ‬التجارة‭ ‬وحصانة‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬يظل‭ ‬دقيقاً،‭ ‬مبيناً‭ ‬أن‭ ‬استبعاد‭ ‬المسائل‭ ‬غير‭ ‬القابلة‭ ‬للصلح‭ ‬يحمي‭ ‬التحكيم‭ ‬ذاته‭ ‬من‭ ‬السقوط‭ ‬بضربة‭ ‬قاضية‭ ‬من‭ ‬القضاء‭ ‬الرسمي‭ ‬عبر‭ ‬دعوى‭ ‬البطلان‭.‬

سعد‭ ‬يوسف‭ ‬العازمي‭ ‬

كليةالدراسات‭ ‬التجارية‭ - ‬تخصص‭ ‬قانون

آخر الأخبار