حدود النظام العام في حظر التحكيم بمسائل لا تقبل الصلح
Add as Preferred Source on Googleإن مبدأ سلطان الإرادة الركيزة الأساسية للتحكيم، إذ يملك الخصوم بموجبه صياغة عدالة خاصة تنزع النزاع من القضاء الرسمي. بيد أن هذه الحرية ليست مطلقة، بل تصطدم جدارياً بحدود النظام العام، وهو ما جسده المشرع الكويتي في المادة 173 مرافعات بحظر التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح.
هذا القيد يمثل صمام أمان لحماية المصالح العليا للمجتمع، فكل مسألة تخرج عن التصرف المالي الحر للأفراد، وتتشابك مع النظام العام، تخرج بالتبعية من ولاية المحكمين، وتظل حكراً على القضاء الرسمي للدولة وحده.
وفي الجانب الفقهي، يثور النقد حول غموض المعيار الذي يربط بين النظام العام، وعدم جواز الصلح، كقيود على التحكيم. يرى الفقه الناقد أن هذا الربط يفتقر للتحديد؛ فالصلح يمتنع في مسائل الأحوال الشخصية، والجنايات، والنزاعات الإدارية السيادية.
بيد أن التطبيق العملي يواجه إشكالية التجزئة الإجرائية للنزاع؛ إذ ينطوي الملف الواحد أحيانا على شق جنائي، كالتزوير، وشق مالي كقيمة العقد، مما يضع المحكم في حيرة حول حدود صلاحيته في الفصل بالجانب المالي دون المساس بصلب النظام العام.
وعند إسقاط هذا الحظر على الواقع القضائي في الكويت، نجد أن محكمة التمييز تبنت موقفا صارما يحمي النظام العام، دون شل حركة التجارة. فالقضاء المستقر يعتبر بطلان شرط التحكيم في المسائل غير القابلة للصلح بطلانا مطلقا، تقضي بهالمحكمة من تلقاء نفسها.
ورغم هذه الصرامة، وضع القضاء خطاً فاصلاً يمنع الخصوم من التذرع بالنظام العام للتهرب من التحكيم؛ حيث فرق بين موضوع النزاع والآثار المالية المترتبة عليه، فأجاز التحكيم في الحقوق المالية الناشئة عن تلك المسائل المستبعدة. إن رسم خطوط التماس بين سلطة المحكم، وسيادة النظام العام ليس عقبة، بل هو تنظيم غائي يحمي مشروعية الحكم التحكيمي وضمانة لنفاذه. وإذا كان الفقه المعاصر يدفع باتجاه تضييق مفهوم النظام العام لتعزيز جاذبية التجارة، فإن المشرع الكويتي أحاط المسألة بضوابط صارمة، تقي المجتمع مغبة خصخصة العدالة السيادية.
إن التوازن بين مرونة التجارة وحصانة النظام العام يظل دقيقاً، مبيناً أن استبعاد المسائل غير القابلة للصلح يحمي التحكيم ذاته من السقوط بضربة قاضية من القضاء الرسمي عبر دعوى البطلان.
سعد يوسف العازمي
كليةالدراسات التجارية - تخصص قانون