الجمعة 26 يونيو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
آراء طلابية

الشركات الأجنبية والدول البترولية وعباءة "التحكيم"؟

Add as Preferred Source on Google
Time
الجمعة 26 يونيو 2026

لم‭ ‬يعد‭ ‬سراً‭ ‬أن‭ ‬النفط‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬سلعة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬عصب‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية،‭ ‬ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬القوانين‭ ‬التي‭ ‬تحكمه‭ ‬بمثابة‭ "‬ساحة‭ ‬معركة‭". ‬لعقود‭ ‬طويلة،‭ ‬صُوِّر‭ ‬نظام‭ ‬التحكيم‭ ‬الدولي‭ ‬أنه‭ ‬السلاح‭ ‬السري‭ ‬الذي‭ ‬تستخدمه‭ ‬شركات‭ ‬النفط‭ ‬الغربية‭ ‬العملاقة‭ ‬لكسر‭ ‬شوكة‭ ‬الدول‭ ‬البترولية‭ ‬النامية‭. ‬ولكن،‭ ‬إذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬المشهد‭ ‬اليوم،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬التساؤل‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬تقف‭ "‬ضد‭" ‬الدول‭ ‬البترولية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬معادلة‭ "‬ظالم‭ ‬ومظلوم‭"‬،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬لعبة‭ ‬شطرنج‭ ‬جيوسياسية‭ ‬معقدة،‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬نفوذاً‭ ‬أكبر،‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬توقيع‭ ‬العقد‭.‬

1‭-‬‭ ‬النظرية‭ ‬التقليدية‭: ‬التحكيم‭ ‬كأداة‭ "‬تأديب‭" ‬للدول‭ ‬البترولية‭ ‬من‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬قضايا‭ ‬التحكيم‭ ‬الشهيرة،‭ ‬يجد‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬التحكيم‭ ‬غالباً‭ ‬كـ‭"‬خط‭ ‬دفاع‭ ‬هجومي‭" ‬ضد‭ ‬الدول‭ ‬البترولية‭ ‬في‭ ‬حالتين‭ ‬رئيسيتين‭:‬

مواجهة‭ "‬القومية‭ ‬النفطية‭": ‬عندما‭ ‬تقرر‭ ‬دولة‭ ‬بترولية‭ ‬فجأة‭ ‬تأميم‭ ‬حقولها،‭ ‬أو‭ ‬رفع‭ ‬نسبة‭ ‬ضرائب‭ ‬الإنتاج،‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬الحصص‭ ‬لمصلحة‭ ‬شركتها‭ ‬الوطنية،‭ ‬تسرع‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لرفع‭ ‬قضايا‭ ‬تحكيم‭ ‬دولية‭ (‬غالباً‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬ICSID‭ ‬التابع‭ ‬للبنك‭ ‬الدولي‭) ‬بدعوى‭ "‬المصادرة‭ ‬غير‭ ‬المباشرة‭" ‬أو‭ ‬خرق‭ ‬بند‭ "‬المعاملة‭ ‬العادلة‭ ‬والمنصفة‭".‬

سلاح‭ ‬التعويضات‭ ‬المليارية‭: ‬تطالب‭ ‬الشركات‭ ‬بتعويضات‭ ‬لا‭ ‬تشمل‭ ‬فقط‭ ‬ما‭ ‬أنفقته‭ ‬من‭ ‬أموال‭ ‬في‭ ‬الحفر،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ "‬الأرباح‭ ‬المتوقعة‭" ‬لثلاثين‭ ‬سنة‭ ‬مقبلة‭! ‬هذه‭ ‬التعويضات‭ ‬الفلكية‭ ‬تُستخدم‭ ‬كأداة‭ ‬ضغط‭ ‬مالي‭ ‬واقتصادي‭ ‬مرعب‭ ‬لإجبار‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬قراراتها‭ ‬السيادية‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬نعم،‭ ‬تبدو‭ ‬الشركات‭ ‬وكأنها‭ ‬تقف‭ "‬ضد‭" ‬مصالح‭ ‬الدول‭ ‬وشعوبها،‭ ‬مستغلةً‭ ‬صياغات‭ ‬قانونية‭ ‬وضعتها‭ ‬هي‭ ‬بنفسها‭ ‬في‭ ‬العقود‭.‬

2‭-‬‭  ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬للعملة‭: ‬لماذا‭ ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬المواجهات‭ "‬عداء‭ ‬استعمارياً‭"‬؟‭ ‬رغم‭ ‬سوداوية‭ ‬المشهد‭ ‬التاريخي،‭ ‬فإن‭ ‬تبسيط‭ ‬العلاقة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ "‬شركات‭ ‬شريرة‭ ‬ضد‭ ‬دول‭ ‬ضحية‭"‬،‭ ‬يغفل‭ ‬حقائق‭ ‬اقتصادية‭ ‬هامة‭:‬

أزمة‭ "‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭": ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬تضخ‭ ‬استثمارات‭ ‬رأسمالية‭ ‬ضخمة‭ ‬تمتد‭ ‬لعقود‭. ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬تجارية‭ ‬بحتة،‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ "‬ضد‭ ‬الدولة‭"‬،‭ ‬بل‭ ‬تقف‭ "‬ضد‭ ‬تقلبات‭ ‬أمزجة‭ ‬الحكومات‭". ‬والتحكيم‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬صمام‭ ‬أمان،‭ ‬يضمن‭ ‬عدم‭ ‬تغير‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬القانونية‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬الساسة،‭ ‬أو‭ ‬الأنظمة‭.‬

عقود‭ ‬الشراكة‭ ‬وليست‭ ‬عقود‭ ‬إذعان‭: ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الحديثة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الدول‭ ‬البترولية‭ ‬جاهلة‭ ‬بالقانون‭ ‬الدولي‭. ‬اليوم،‭ ‬تُصاغ‭ ‬العقود‭ ‬بواسطة‭ ‬كبار‭ ‬المستشارين‭ ‬القانونيين‭ ‬من‭ ‬الطرفين،‭ ‬والدول‭ ‬تقبل‭ ‬بشرط‭ ‬التحكيم‭ ‬طواعيةً‭ ‬لرفع‭ ‬تصنيفها‭ ‬الائتماني،‭ ‬وجذب‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬العالية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تملكها‭ ‬لإنتاج‭ ‬النفط‭ ‬الصعب‭ ‬أو‭ ‬الغاز‭ ‬المسال‭.‬

3‭-‬‭  ‬التحول‭ ‬الكبير‭: ‬عندما‭ ‬انقلب‭ ‬السحر‭ ‬على‭ ‬الساحر‭ ‬أكبر‭ ‬دليل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الاستقواء‭ ‬الأعمى،‭ ‬بالتحكيم‭ ‬ضد‭ ‬الدول‭ ‬البترولية،‭ ‬هو‭ ‬تغير‭ ‬ميزان‭ ‬القوى‭ ‬القانوني‭.‬

اليوم،‭ ‬الشركات‭ ‬الوطنية‭ ‬للدول‭ ‬البترولية،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ "‬طرف‭ ‬مضياف‭"‬،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬غيلان‭ ‬استثمارية‭ ‬عابرة‭ ‬للقارات‭. ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬الوطنية‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تشتري‭ ‬حصصاً‭ ‬في‭ ‬مصافي‭ ‬الغرب،‭ ‬وحقول‭ ‬الشرق،‭ ‬وهي‭ ‬من‭ ‬تستخدم‭ "‬شروط‭ ‬التحكيم‭ ‬الدولي‭" ‬لحماية‭ ‬استثماراتها‭ ‬ضد‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬نفسها‭ (‬خصوصا‭ ‬مع‭ ‬القوانين‭ ‬البيئية‭ ‬المتشددة‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬والتي‭ ‬تضر‭ ‬باستثمارات‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري‭).‬

خلاصة‭: ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬ضد‭ ‬الدول‭ ‬البترولية‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ ‬عداء‭ ‬أيديولوجي،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬منطلق‭ "‬غريزة‭ ‬البقاء‭ ‬الرأسمالية‭". ‬التحكيم‭ ‬الدولي‭ ‬كان‭ ‬تاريخياً‭ ‬يميل‭ ‬لصالح‭ ‬هذه‭ ‬الشركات،‭ ‬لأنها‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬كتبت‭ ‬قواعده؛‭ ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬فالتحكيم‭ ‬أداة‭ ‬براغماتية‭ ‬بحتة‭. ‬الدول‭ ‬البترولية‭ ‬التي‭ ‬تمتلك‭ ‬وعياً‭ ‬قانونياً،‭ ‬وصياغة‭ ‬ذكية‭ ‬لعقودها،‭ ‬تستطيع‭ ‬تحويل‭ ‬التحكيم‭ ‬من‭ "‬محطة‭ ‬استعمارية‭" ‬إلى‭ ‬دِرع‭ ‬يحمي‭ ‬ثرواتها‭ ‬السيادية،‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تصيغ‭ ‬عقودها‭ ‬بضعف‭ ‬تحت‭ ‬رحمة‭ ‬سطوة‭ ‬الشركات‭.‬

سلمان‭ ‬الحميدي‭ ‬سلمان‭ ‬

كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬التجارية‭ - ‬تخصص‭ ‬القانون

آخر الأخبار