الجمعة 26 يونيو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
آراء طلابية

أوجه التقارب والاختلاف بين المحكم والقاضي

Add as Preferred Source on Google
Time
الجمعة 26 يونيو 2026

إن‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬فرض‭ ‬إيجاد‭ ‬مسارات‭ ‬موازية‭ ‬للقضاء‭ ‬الرسمي،‭ ‬مما‭ ‬أعاد‭ ‬صياغة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬القضاء‭ ‬العام‭ ‬والدولة،‭ ‬والقضاء‭ ‬الخاص‭ ‬المتمثل‭ ‬في‭ ‬التحكيم‭.‬

وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬يبرز‭ ‬تساؤل‭ ‬بنيوي‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬يؤديه‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬القاضي‭ ‬والمحكم،‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬المعاصر؛‭ ‬فهل‭ ‬هما‭ ‬شريكان‭ ‬في‭ ‬إرساء‭ ‬دعائم‭ ‬العدالة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬مصدر‭ ‬سلطتهما‭ ‬يجعل‭ ‬منهما‭ ‬خطين‭ ‬متوازيين‭ ‬لا‭ ‬يلتقيان؟

هذا‭ ‬التساؤل‭ ‬يمس‭ ‬فلسفة‭ ‬الخصومة‭ ‬الإجرائية،‭ ‬ومدى‭ ‬مرونة‭ ‬النظام‭ ‬القانوني‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬إرادة‭ ‬الخصوم،‭ ‬دون‭ ‬المساس‭ ‬بسيادة‭ ‬ومرفق‭ ‬العدالة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يظهر‭ ‬جلياً‭ ‬في‭ ‬الأنظمة‭ ‬القانونية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬ومنها‭ ‬النظام‭ ‬الكويتي‭ ‬الذي‭ ‬وازن‭ ‬بحذر‭ ‬بين‭ ‬السلطتين‭.‬

في‭ ‬جانب‭ ‬التقارب،‭ ‬يلتقي‭ ‬المحكم‭ ‬والقاضي‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬قيمية‭ ‬وإجرائية‭ ‬موحدة،‭ ‬تستهدف‭ ‬غاية‭ ‬أساسية،‭ ‬وهي‭ ‬الفصل‭ ‬في‭ ‬الخصومة‭ ‬بحكم‭ ‬ملزم‭ ‬للخصوم‭.  ‬فكلا‭ ‬الطرفين‭ ‬يلتزمان‭ ‬بضمانات‭ ‬التقاضي‭ ‬الأساسية،‭ ‬كحق‭ ‬الدفاع‭ ‬والمساواة‭ ‬ومبدأ‭ ‬المواجهة،‭ ‬كما‭ ‬يشترك‭ ‬الحكم‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المحكم‭ ‬مع‭ ‬الحكم‭ ‬القضائي‭ ‬في‭ ‬حيازة‭ ‬حجية‭ ‬الأمر‭ ‬المقضي‭ ‬به‭. ‬والمحكم‭ ‬في‭ ‬القانون‭ ‬المعاصر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬مصلح‭ ‬ودّي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬قاضٍ‭ ‬خاص‭ ‬يطبق‭ ‬قواعد‭ ‬القانون،‭ ‬مما‭ ‬يضفي‭ ‬على‭ ‬عمله‭ ‬صبغة‭ ‬قضائية،‭ ‬تقرّبه‭ ‬من‭ ‬محراب‭ ‬القضاء‭ ‬الرسمي‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التقارب‭ ‬لا‭ ‬ينفي‭ ‬وجود‭ ‬فجوة‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬مصدر‭ ‬الولاية؛‭ ‬فالقاضي‭ ‬يستمد‭ ‬صلاحياته‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬لينطق‭ ‬باسمها،‭ ‬بينما‭ ‬يستمد‭ ‬المحكم‭ ‬ولايته‭ ‬من‭ ‬عقد‭ ‬التحكيم،‭ ‬وإرادة‭ ‬الخصوم،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬سلطته‭ ‬اتفاقية‭ ‬محددة‭.‬

وتتجلى‭ ‬ذروة‭ ‬الاختلاف‭ ‬في‭ ‬سلطة‭ ‬الإجبار،‭ ‬فالقاضي‭ ‬يتكئ‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭ ‬الجبرية‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬أحكامه،‭ ‬وإجبار‭ ‬الشهود،‭ ‬بينما‭ ‬يفتقر‭ ‬المحكم‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬السلطة،‭ ‬ويظل‭ ‬بحاجة‭ ‬دائمة‭ ‬إلى‭ ‬القضاء‭ ‬الرسمي‭ ‬ليبعث‭ ‬الروح‭ ‬الجبرية‭ ‬في‭ ‬حكمه‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬حكم‭ ‬القاضي‭ ‬يخضع‭ ‬لدرجات‭ ‬التقاضي‭ ‬العادية،‭ ‬بينما‭ ‬حكم‭ ‬المحكم‭ ‬محصن‭ ‬من‭ ‬الطعن‭ ‬بالموضوع‭ ‬ولا‭ ‬يخضع‭ ‬إلا‭ ‬لرقابة‭ ‬شكلية‭ ‬محدودة‭. ‬

إن‭ ‬العلاقة‭ ‬المعاصرة‭ ‬بين‭ ‬المحكم‭ ‬والقاضي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬علاقة‭ ‬تنافر،‭ ‬أو‭ ‬صراع،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬تكامل‭ ‬وظيفي‭ ‬حميم‭ ‬لدعم‭ ‬العدالة‭. ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬القاضي‭ ‬يمثل‭ ‬عماد‭ ‬الأمن‭ ‬العدلي‭ ‬والسيادي‭ ‬للدولة،‭ ‬فإن‭ ‬المحكم‭ ‬يمثل‭ ‬رئة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬اللينة‭ ‬التي‭ ‬تتنفس‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الاستثمارات‭ ‬بمرونتها‭ ‬وسرعتها‭. ‬لتظل‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭ ‬أشبه‭ ‬بحلقة‭ ‬متصلة،‭ ‬يسلم‭ ‬فيها‭ ‬الخصوم‭ ‬نزاعهم‭ ‬للمحكم‭ ‬ابتداءً،‭ ‬ليعود‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬القاضي‭ ‬ليمنحه‭ ‬صيغة‭ ‬النفاذ‭.‬

عبدالرحمن‭ ‬شافي‭ ‬البراق

كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬التجارية‭ - ‬تخصص‭ ‬القانون

آخر الأخبار