أوجه التقارب والاختلاف بين المحكم والقاضي
Add as Preferred Source on Googleإن التطور المتسارع في حركة التجارة الدولية، فرض إيجاد مسارات موازية للقضاء الرسمي، مما أعاد صياغة العلاقة بين القضاء العام والدولة، والقضاء الخاص المتمثل في التحكيم.
وفي قلب هذه العلاقة يبرز تساؤل بنيوي حول طبيعة الدور الذي يؤديه كل من القاضي والمحكم، في القانون المعاصر؛ فهل هما شريكان في إرساء دعائم العدالة، أم أن الاختلاف في مصدر سلطتهما يجعل منهما خطين متوازيين لا يلتقيان؟
هذا التساؤل يمس فلسفة الخصومة الإجرائية، ومدى مرونة النظام القانوني في استيعاب إرادة الخصوم، دون المساس بسيادة ومرفق العدالة، وهو ما يظهر جلياً في الأنظمة القانونية المعاصرة، ومنها النظام الكويتي الذي وازن بحذر بين السلطتين.
في جانب التقارب، يلتقي المحكم والقاضي في منظومة قيمية وإجرائية موحدة، تستهدف غاية أساسية، وهي الفصل في الخصومة بحكم ملزم للخصوم. فكلا الطرفين يلتزمان بضمانات التقاضي الأساسية، كحق الدفاع والمساواة ومبدأ المواجهة، كما يشترك الحكم الصادر عن المحكم مع الحكم القضائي في حيازة حجية الأمر المقضي به. والمحكم في القانون المعاصر لم يعد مجرد مصلح ودّي، بل هو قاضٍ خاص يطبق قواعد القانون، مما يضفي على عمله صبغة قضائية، تقرّبه من محراب القضاء الرسمي.
بيد أن هذا التقارب لا ينفي وجود فجوة جوهرية في مصدر الولاية؛ فالقاضي يستمد صلاحياته من الدولة لينطق باسمها، بينما يستمد المحكم ولايته من عقد التحكيم، وإرادة الخصوم، مما يجعل سلطته اتفاقية محددة.
وتتجلى ذروة الاختلاف في سلطة الإجبار، فالقاضي يتكئ على سلطة الدولة الجبرية في تنفيذ أحكامه، وإجبار الشهود، بينما يفتقر المحكم إلى هذه السلطة، ويظل بحاجة دائمة إلى القضاء الرسمي ليبعث الروح الجبرية في حكمه. كما أن حكم القاضي يخضع لدرجات التقاضي العادية، بينما حكم المحكم محصن من الطعن بالموضوع ولا يخضع إلا لرقابة شكلية محدودة.
إن العلاقة المعاصرة بين المحكم والقاضي لم تعد علاقة تنافر، أو صراع، بل تحولت إلى علاقة تكامل وظيفي حميم لدعم العدالة. فإذا كان القاضي يمثل عماد الأمن العدلي والسيادي للدولة، فإن المحكم يمثل رئة الاقتصاد اللينة التي تتنفس من خلالها الاستثمارات بمرونتها وسرعتها. لتظل العلاقة بينهما أشبه بحلقة متصلة، يسلم فيها الخصوم نزاعهم للمحكم ابتداءً، ليعود الحكم في النهاية إلى ساحة القاضي ليمنحه صيغة النفاذ.
عبدالرحمن شافي البراق
كلية الدراسات التجارية - تخصص القانون