في ظل التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة، بات لزاماً على دولة الكويت، إعادة النظر في مسارات نموها التقليدية.
وبينما يهيمن النموذج الاقتصادي القائم على دورة الاستخراج والتصنيع، والاستهلاك، ثم التخلص، على الفكر التشغيلي، يبرز الاقتصاد الدائري كضرورة ستراتيجية تتجاوز كونها مجرد مبادرة بيئية، لتصبح رافعة أساسية للاستدامة المالية، والتشغيلية في حقبة ما بعد النفط.
يشير الخبراء إلى أن جوهر الاقتصاد الدائري يكمن في إعادة تعريف القيمة؛ إذ يتحول التركيز من اقتصاد الملكية التقليدي إلى اقتصاد الانتفاع، إذ تصبح نماذج تقديم المنتج، كخدمة، هي المحرك الأساسي لكفاءة الموارد. هذا التحول لا يعني فقط تقليل الهدر، بل يعني فصل النمو الاقتصادي عن الاستهلاك المطلق للموارد الطبيعية.
رغم الطموح، يظل عائق تكاليف التحول حاضراً في السوق الكويتية؛ إذ تتطلب العمليات الدائرية استثمارات رأسمالية في تقنيات التصنيع المتقدمة، والخدمات اللوجستية العكسية.
مع ذلك، يؤكد التحليل الاقتصادي أن هذه التكاليف هي استثمار وقائي، يُعوض من خلال تحوط المخاطر تجاه تقلبات أسعار المواد الخام العالمية، وتعزيز الكفاءة التشغيلية، فضلاً عن بناء حواجز دخول تنافسية، يصعب على المنافسين تقليدها.
تتميز الكويت بخصوصية تجعل من الاقتصاد الدائري أداة حيوية للابتكار الإداري. ففي ملف الموارد المائية الشحيحة، تبرز الحاجة الملحّة لدمج المسبارات الذكية، وأجهزة الاستشعار المتصلة بالشبكات الرقمية لرصد تدفقات المياه والنفايات، مما يمنح صناع القرار بيانات دقيقة طوال الوقت. وعلى صعيد قطاع البناء والتشييد، يمثل التوسع العمراني الكويتي فرصة لتحويل مخلفات الهدم إلى منجم حضري، يقلل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
أما في سلاسل التوريد، فالتحدي يكمن في تبني اللوجستيات العكسية لضمان استرداد المنتجات وإعادة دمجها في العملية الإنتاجية.
لا يمكن إغفال دور القيادة الإدارية في قيادة هذا التحول الجذري؛
لإن اتخاذ القرارات الإدارية الناجحة في الشركات الكويتية الكبرى بات يتطلب اليوم مواءمة تامة بين ستراتيجيات الأعمال والأهداف الوطنية للتنمية المستدامة، مما يتطلب استثماراً نوعياً في التدريب وتغيير الثقافة المؤسسية، لتكون أكثر مرونة، وقدرة على التكيف مع متطلبات الاقتصاد الجديد.
ولتحقيق تحول ناجح، يقترح الأكاديميون والمتخصصون إطاراً مؤسسياً يرتكز على ثلاثة محاور:
أولاً: التصميم الدائري، عبر تحفيز مديري العمليات على تبني منهجيات تصميم، تراعي سهولة التفكيك، والإصلاح في مرحلة التخطيط للمنتج.
ثانياً: النموذج الرباعي للابتكار، بتعزيز الشراكة بين الأكاديميا، وهي هنا منظومة الجامعات، ومراكز الأبحاث التي توفر الأساس المعرفي والنمذجة العلمية، والقطاع الحكومي لصياغة التشريعات، والقطاع الخاص لتبني معايير الحوكمة، والمجتمع لتعزيز الوعي الاستهلاكي.
ثالثاً: الحوكمة الرقمية، عبر تبني مؤشرات الأداء الدائرية كمعيار لقياس نجاح المؤسسات، بدلاً من الاعتماد الكلي على مؤشرات الربحية الخطية التقليدية.
إن الاقتصاد الدائري في الكويت ليس ترفاً فكرياً، بل مسار حتمي لتعزيز اقتصادية. إن المؤسسات التي ستبادر اليوم إلى إعادة ابتكار نماذج أعمالها، ستكون الأكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل، وتحويل الاستدامة من عبء تشغيلي إلى أصل ستراتيجي يعزز القيمة السوقية، في اقتصاد المعرفة.
إن التكامل بين التكنولوجيا المتقدمة والرؤية الإدارية الاستشرافية هو المفتاح الذهبي الذي ستعبر به الكويت نحو نموذج اقتصادي أكثر استدامة وتنافسية على المستوى الإقليمي والدولي.
$ كاتب كويتي