للمرة الأولى منذ العام 1984، يخرج لبنان من العباءة الإيرانية، ويكون سيد نفسه في قراره عبر الاتفاق الإطاري بينه وبين إسرائيل وبرعاية أميركية.
وللمرة الأولى منذ عقود أربعة، تخرج حكومة بيروت بقوة على قرار "حزب الله"، وكذلك رديفته "حركة أمل"، حتى لو كان هناك وزراء لهذين التنظيمين فيها، إلا أن قرارها اليوم خارج الاصطفافات الطائفية، لأن ثمة إجماعاً على تخليص لبنان من الجحيم الذي أدخله "حزب الله" إليه "كرمى لعيون إيران"، التي أفسدت في الأرض، وحولت بعض الدول العربية منصات إرهابية، تمارس فيها ما تشاء من العهر السياسي، وكذلك الأعمال القذرة، بدءاً من تهريب المخدرات، وصولاً إلى العدوان الممنهج على الجيران.
إن هذا الوضع بدأ يتغير، لأن الولايات المتحدة الأميركية، لن تقبل، وكذلك دول "مجلس التعاون"، بإعادة تعويم النظام الإيراني من جهة، أو العودة إلى زعزعة الأمن القومي العربي من جهة أخرى، خصوصاً في الدول الأربع التي كانت تمثل محور شر إيراني للعرب.
على هذا الأساس، إن ما جرى في واشنطن بين بيروت وتل أبيب ليس اتفاقاً عابراً، إنما منصة لجعل المنطقة تعيش في سلام، وهو اختبار حقيقي للبنانيين الذين عاشوا نتائج التدخلات الإيرانية طوال عقود، وكان بلدهم يشبه المصاب بمرض الطاعون، لذا ابتعد عنه الجميع، والعرب قبل الأجانب.
اليوم الفرصة متاحة، رغم ما يحاوله رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، من تصويره الاتفاق أنه "فتنة"، لأنه يسحب من تحت أقدامه القوة التي كان يتمتع بها من خلال "حزب الله" وإيران، لكن من المعلوم في السياسة أن كل خطوة لها حساباتها، خصوصاً في الشأن اللبناني، الذي يعتبر عربياً بارومتر الإقليم، ما يعني أن قطار السلام في المنطقة شق طريقه، ولن توقفه بعض الأصوات اللبنانية، ولا حتى الإيرانية، لا سيما أن مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، لن تصمد ما دام الحرس الثوري الإيراني لا يزال يعتدي على حلفاء الولايات المتحدة، وما دامت لديه بعض المعسكرات في لبنان، وليست المناوشات الأخيرة والعدوان على الكويت والبحرين، إلا محاولات إيرانية للخروج عما اتفق عليه في سويسرا وإسلام آباد.
لكن هذا الأمر بدأ يتحول إلى عبء على نظام طهران، لأن المظلة الديبلوماسية العربية والدولية التي وفرها اتفاق الإطار بين بيروت وتل أبيب، وبدء انتشار الجيش اللبناني في مناطق تنسحب منها إسرائيل يعطل مفاعيل أوراق "حزب الله" وكذلك إيران.
هنا، لا بد للبنانيين أن يكونوا على قدر كبير من الحكمة في التعاطي مع المتغيرات الجديدة، فلا ينساقون إلى الفخ الذي يحاول أن يجرهم إليه "حزب الله" وهو التهديد بالعودة إلى الحرب الأهلية، رغم معرفة قادته أنها مجرد لعبة ستكون نتائجها وبالاً عليه، قبل غيره.
اليوم لا ينفع نعيق بوم الإرهاب في لبنان، لأن المنطقة كلها بدأت تتحرر من الغطرسة الإيرانية، فتلك الحالة قد مضت إلى غير رجعة، ولقد قيل قديماً "لكل زمان دولة ولكل قوم صولة، وأن دوام الحال من المحال"، ويبدو أن لحظة الخلاص للبنان أزفت، ومن بيروت تبدأ مرحلة احتضار النظام الإيراني.