الديبلوماسية القسرية وثمن السلام المفخخ: لم يكن الاتفاق الأميركي-الإيراني الأخير، برعاية الوساطة الباكستانية-القطرية، انتصاراً للديبلوماسية بقدر ما كان تجسيداً لــ"الديبلوماسية القسرية". فمقابل تفكيك بنية تخصيب اليورانيوم الإيرانية، تركت واشنطن دول الخليج تواجه الثمن الأغلى: القبول بفرض طهران سلطة أمر واقع على مضيق هرمز، وتحويله إلى منصة جباية عبر رسوم عبور غير قانونية.
هذا التحول أحدث صدمة حادة فرضت على العواصم الخليجية استيقاظاً جيوسياسياً فورياً، ونبذاً للرهانات التقليدية على المظلات الأمنية الخارجية، للتحرك نحو هندسة بدائل ستراتيجية لوجودها.
أولاً: الكويت حالة دراسية (تحديات الجغرافيا وإعادة التمكين)
تمثل الكويت المؤشر الأكثر حساسية تجاه اضطرابات شمال الخليج؛ لذا شكّل التهديد بإغلاق المضيق صدمة مست عقيدتها الأمنية والاقتصادية في الصميم:
● الأمن النفطي والدرس القاسي: تعتمد الكويت على هرمز لتصدير نحو 2.4 إلى 2.5 مليون برميل يومياً من النفط، الذي يشكل 90 في المئة من إيراداتها. ومع ارتباك الملاحة وقفز تكاليف التأمين بنسبة 300 في المئة، برزت معضلات تقنية هددت بخفض الإنتاج قسرياً لعدم تجاوز قدرات التخزين. هذا الواقع أثبت خطورة رهن مورد الدولة الأوحد بممر مائي قابل للاختناق.
● ميناء مبارك الكبير كمنصة جيوسياسية: لتجاوز هذه القيود، سرعت الكويت العمل في ميناء مبارك الكبير (بطاقة 1.8 مليون حاوية في مرحلته الأولى) لربطه بسكك الحديد الخليجية وطريق التنمية. الهدف هو تحويله من نهاية خط معزول إلى نقطة انطلاق برية تعبر الصحراء نحو منافذ مفتوحة، تكسر أصفاد الممرات الضيقة.
● فقه المآلات والتحوط النشط: انطلاقاً من قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، غادرت الديبلوماسية الكويتية مربع التوازن التقليدي نحو "التحوط النشط". وتجلى ذلك في تعزيز الشراكات الستراتيجية والدفاعية مع قوى وازنة، كالصين، وتركيا، وبناء تفاهمات لوجستية مع باكستان، لضمان عدم الاستفراد بالعمق الكويتي، في التسويات الدولية.
ثانياً: الربط اللوجستي مع عُمان والمنظومة الخليجية، ككتلة واحدة. من رحم المعاناة الكويتية، أدركت منظومة "مجلس التعاون" أن الأمن الفردي تبدد في مياه هرمز الذي يعبره خُمس النفط العالمي (20 مليون برميل يومياً). وتتجه المنظومة حاليا للتحول إلى "جسد لوجستي واحد" ينفتح على المحيط:
● التكامل النفطي العابر للمضيق: استلهاماً من تجربة خط أنابيب "شرق-غرب" السعودي المطل على البحر الأحمر (بطاقة سبعة ملايين برميل يومياً)، تدرس المنظومة مشاريع أنابيب نفطية تبادلية تمتد إلى الساحل العُماني لضمان التدفق برياً نحو محطات تصدير آمنة.
● الربط مع عُمان (صمام أمان الغذاء والطاقة): تمثل سلطنة عُمان بإطلالتها على بحر العرب العمق الستراتيجي الحاسم، عبر محورين:
1- المستودعات الغذائية العملاقة: تأسيس مخازن وصوامع مشتركة في الدقم وصلالة لتأمين احتياجات الخليج الذي يستورد من 80 إلى 90في المئة من غذائه، بحيث تتدفق الإمدادات برياً عبر شبكة القطارات، دون الحاجة للمرور بالمضيق.
2- الممر اللوجستي الموحد: ربط ميناء مبارك الكبير شمالاً بالموانئ العُمانية جنوباً، يحول شبه الجزيرة العربية إلى "جسر بري عالمي"، يربط تجارة آسيا بأوروبا، ويؤمن خطوط الإمداد العكسية وقت الحروب.
ختاماً، إن الدرس الأكبر للكويت وشقيقاتها هو أن ثمن "السلام المفخخ" الذي يوقعه الكبار قد يكون أكثر كلفة من الحرب. إن هندسة الأمن الوطني والتحول نحو الموانئ العُمانية والممرات البرية لم يعد ترفاً، بل هو تطبيق حتمي للقاعدة الفقهية "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فحماية السيادة وتأمين الغذاء والطاقة استوجبا فوراً كسر قيود الجغرافيا التقليدية، والعبور نحو فضاء بحر العرب المفتوح.
حفظ الله الكويت وأهلها من كل سوء وبلاء.
$ كاتب كويتي