مرايا الروح
هناك أسئلة لا تُقال بدافع الفضول فقط، بل قد تُقال أحياناً ببرودٍ، لا يدرك حجم الأذى الذي يتركه في قلب الآخر.
فليس كل ما يُسأل عنه يُباح، وليس كل قربٍ يمنح الإنسان حق اقتحام المناطق الحساسة من حياة الناس.
حين تسأل امرأة عن سبب طلاقها، أو شاباً عن تأخر وظيفته، أو زوجين عن عدم الإنجاب، أو طالباً عن تدني معدله الدراسي، فأنت لا تطرق باب سؤال عابر، بل قد تفتح جرحاً يحاول صاحبه كل يوم أن يُخفي نزفه عن العالم.
بعض الناس يظنون أن السؤال نوعٌ من الاهتمام، بينما هو في كثير من الأحيان نوع من التطفل، المغلف بالفضول الاجتماعي.
فالإنسان لا يُجبر على كشف أوجاعه فقط، لأن الآخرين يريدون معرفة التفاصيل.
هناك معارك تُخاض بصمت، وكسور لا يراها أحد، وظروف قاسية لا يستطيع صاحبها حتى شرحها، لا ضعفاً، بل لأن بعض الحكايات أثقل من أن تُروى.
كم من امرأةٍ ابتسمت وهي تُسأل عن طفلٍ لم يأتِ بعد، بينما كانت تخفي خلف ابتسامتها سنواتٍ من الدعاء والمعاناة والعلاج.
وكم من رجلٍ هزّ رأسه بصمت حين سُئل عن عمله، بينما كان يقضي لياليه بين القلق، ومحاولات النجاة من شعور وطأة الضعف والانكسار.
وكم من طالبٍ عاد إلى منزله محطماً بعد سؤالٍ ظنه الناس عادياً، لكنه بالنسبة له كان تذكيراً مؤلماً أنه لم يستطع الوصول لما يتمناه.
المشكلة ليست في السؤال دائمًا، بل في غياب الإحساس.
أن تسأل بلا وعي بمشاعر الآخر، وكأن الناس ملفات مفتوحة يحق للجميع تصفحها، فهذا ما يجعل بعض الكلمات ثقيلة إلى هذا الحد.
ليس من الذوق أن تُحمّل الناس عبء التبرير المستمر لحياتهم.
فالبعض لا يملك إجابة أصلاً، والبعض يملكها، لكنه لا يريد البوح بها، والبعض لو تكلم لبكى.
هناك فرق كبير بين السؤال عن الحال، وبين التدخل في الخصوصيات.
الأول إنسانيّ دافئ، يُشعر الإنسان أنه مُحاط بالمودة، أما الثاني فيُشعره بأنه تحت المجهر، مطالبٌ دائماً بتفسير تأخره، وتجاربه غير الموفقة، وخساراته، وحتى أقداره التي لا يد له فيها.
التعاطف الحقيقي لا يكون بكثرة الأسئلة، بل بحسن التقدير وصون الخصوصية، بل بخفة الحضور، ولطف العبارة، واحترام المساحات التي لا يريد الآخر فتحها.
فليس كل صامتٍ بخير، وليس كل مبتسمٍ مرتاحاً، وليس كل من تهرّب من الإجابة يملك رفاهية الحديث.
في هذا العالم المزدحم بالفوضى والأسئلة المُحرِجة الحساسة، يبقى أكثر الناس رقياً، أولئك الذين يعرفون متى يصمتون، ومتى يكتفون بالدعاء بدل التنقيب، ومتى يدركون أن احترام خصوصية الإنسان تجسيدٌ حقيقي للوعي، وعنوانٌ صادق للذوق والتهذيب.
كن خفيفا بكلماتك… فبعض القلوب لا ينقصها الألم، إنما ينقصها فقط من يراعي هشاشتها بصمتٍ نبيل.
$ كاتبة كويتية