الأربعاء 01 يوليو 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
توجيه التجربة العُمانية نحو دولة الكويت
play icon
كل الآراء

توجيه التجربة العُمانية نحو دولة الكويت

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 30 يونيو 2026
د.علي بن خصيف بن جمعة البلوشي

نحو عدالة رقمية... شهدت دولة الكويت خلال السنوات الماضية خطوات مهمة في مجال التحول الرقمي العدلي، من خلال تطوير الخدمات الإلكترونية، التي تقدمها وزارة العدل، بما يسهم في تسهيل إجراءات التقاضي، وتقليل الإجراءات التقليدية، ورفع كفاءة الأداء الإداري والقضائي.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في دولة الكويت باعتبار القضاء أحد أهم ركائز دولة القانون والمؤسسات،إذ كفل الدستور الكويتي استقلال السلطة القضائية، وجعلها الحصن الأساسي لحماية الحقوق والحريات، وتحقيق العدالة بين أفراد المجتمع، ومن ثم فإن إدخال التكنولوجيا، في العمل القضائي، يجب أن يكون موجهاً لتعزيز هذه المبادئ، وليس بديلاً عنها.

ولا ينبغي أن تقتصر المرحلة المقبلة من التحول الرقمي في دولة الكويت على تقديم الخدمات الإلكترونية، بل يجب أن تتجه نحو مفهوم "العدالة الذكية"، التي تقوم على توظيف التقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، في دعم العمل القضائي، مع وضع ضوابط، قانونية وتنظيمية واضحة، تضمن شفافية الأنظمة الذكية، وتحدد المسؤولية عن الأخطاء التقنية، وتحمي أمن المعلومات والبيانات القضائية، بما يحقق التوازن بين التطور التقني وضمانات المحاكمة العادلة.

وفي هذا الإطار، تبرز التجربة العُمانية نموذجاً متقدماً يمكن الاستفادة من مرتكزاته عند تطوير منظومة العدالة الرقمية في دولة الكويت، إذ تبنت سلطنة عُمان مساراً تدريجياً نحو رقمنه العمل القضائي، تحت مظلة المجلس الأعلى للقضاء، بهدف تسهيل إجراءات التقاضي، ورفع كفاءة الأداء، وتعزيز وصول المتقاضين إلى الخدمات العدلية.

وقد أنشأت سلطنة عُمان منظومة من الخدمات الالكترونية للمتقاضين، التي تُقدم سواء للأفراد، أو المؤسسات أو المحامين، ومن أبرزها "بوابة قضاء"، التي تختص بخدمات التقاضي أمام المحاكم، وتمكّن المتقاضين والمحامين من تسجيل الدعاوى، وطلبات التنفيذ، ومتابعة الإجراءات إلكترونياً.

إضافة إلى نظام الكاتب بالعدل "توثيق" المختص بأعمال الكاتب بالعدل، وخدمات التوثيق، ومن بينها توثيق طلبات الزواج، وكذلك "بوابة محكمة الاستثمار والتجارة" المختصة بالدعاوى، والطعون المتعلقة باختصاصات هذه المحكمة، فضلاً عن "خدمات التركات" التي تتيح إدارة وحصر التركات، وإنجاز المعاملات الكترونياً، و"خدمات المكتبة القضائية"، التي تهدف الى تقديم الدعم المعرفي لخدمة العمل القضائي، والباحثين، ودعم الدراسات القانونية، وقريباً تدشين مشروع "المحاكمات المرئية"، كجزء من خطة التحول الرقمي، في خطوة تهدف الى تسهيل إجراءات التقاضي، وتقليل الأعباء المرتبطة بالحضور الشخصي للجلسات أمام المحاكم.

وامتد التحول الرقمي في سلطنة عُمان إلى مجال التوفيق، والمصالحة والمنازعات الايجارية، من خلال نظام "تسوية" لتقديم طلبات الصلح الكترونياً، وذلك بهدف تسهيل إجراءات الصلح بين الأطراف، وتقليل الوقت والجهد، وتعزيز استخدام الوسائل الرقمية في تسوية المنازعات الايجارية.

كما أُنشئت بموجب المرسوم السلطاني رقم 12 لسنة 2025 لجنة خاصة بالفصل في المنازعات الايجارية بين ملاك ومستأجري المساكن، والمحال التجارية والصناعية، وتسجيل عقود الايجار الخاصة بها في كل محافظة من محافظات السلطنة، ويتم تقديم الطلبات الكترونياً عبر نظام "إنصاف"، بهدف حماية حقوق كل من الملاك والمستأجرين، وتسريع إجراءات الفصل في المنازعات الايجارية.

وتؤكد هذه التجربة أن التحول الرقمي القضائي لا يعتمد على التكنولوجيا فقط، بل يحتاج الى إطار تشريعي وتنظيمي، يضمن حجية المعاملات الالكترونية، ويحمي البيانات الشخصية، ويحقق التوازن بين الاستفادة من التقنيات الحديثة، وضمانات العدالة. ومن هنا يمكن لدولة الكويت الاستفادة من التجربة العمانية من خلال دراسة الأنظمة الناجحة، وتكييفها بما يتوافق مع طبيعة النظام القضائي الكويتي، وصولاً إلى بناء عدالة رقمية ذكية تعزز سيادة القانون وتحمي حقوق الأفراد.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية وضع تشريع ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال القضائي، مع التأكيد على بقاء القرار النهائي بيد القاضي، الى جانب تعزيز المنظومة التشريعية الرقمية بإصدار قانون متكامل لحماية البيانات الشخصية، ويمكن الاستفادة من التجربة التشريعية في سلطنة عمان بعد اصدار قانون حماية البيانات الشخصية، بموجب المرسوم السلطاني رقم 6 لسنة 2022، الذي وضع اطاراً قانونياً لحماية البيانات الشخصية، وتنظيم معالجتها.

وبذلك تستطيع دولة للكويت الانتقال من مرحلة الرقمنة الإجرائية إلى مرحلة العدالة الذكية المتكاملة، التي تجمع بين سرعة الإنجاز ودقة الأداء وحماية الحقوق، بما يعزز الثقة في مرفق القضاء، ونؤكد أن التكنولوجيا ليست بديلاً عن العدالة الإنسانية، بل وسيلة حديثة لترسيخها ودعم سيادة القانون.

$ كاتب عُماني

آخر الأخبار