لم تكن دولة الكويت يوماً تُدار بردود الفعل، أو تُقاد بالارتجال، بل رسخت عبر تاريخها الحديث نموذجاً استثنائياً في إدارة الأزمات، بعقل رصين ورؤية بعيدة المدى.
رغم موقعها الجغرافي الحساس، في قلب منطقة تموج بالتحولات، استطاعت أن تحول التهديدات الوجودية إلى محطات لتجديد الأمان، وتثبيت أركان الدولة. وتثبت التجربة الكويتية الرائدة، أن استقرار الأوطان وحصانتها لا يُقاسان بالحجم، أو بالقوة العسكرية، والمادية وحدها، إنما بوجود قيادة رشيدة تمتلك القدرة على اتخاذ القرار الستراتيجي الصائب، وتغليب العقلانية والواقعية، وصون كيان الوطن، في أحلك الظروف السياسية والأمنية.
وقد تجلت هذه الرصانة السياسية في أبهى صورها عام 1990، حين واجهت الدولة المحنة الأكبر، في تاريخها المعاصر، جراء الغزو العراقي الغاشم. وفي تلك اللحظة الفارقة، تحولت الأزمة إلى ملحمة صمود فريدة؛ حيث قاد الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، رحمه الله، معركة ديبلوماسية رفيعة المستوى، نجح خلالها في حشد التأييد الدولي غير المسبوق، وترسيخ شرعية الدولة بجعل قضيتها ركيزة للقانون الدولي، والضمير الإنساني، حتى تحقق التحرير واستعادة السيادة.
ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت تلك التجربة مرجعاً في كيفية توظيف الحكمة السياسية والديبلوماسية للحفاظ على الدولة، ومؤسساتها في أحلك الظروف.
وامتداداً لهذا الإرث الديبلوماسي العريق، تدير القيادة السياسية اليوم برئاسة حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، أحد أكثر الملفات الإقليمية تعقيداً، والمتمثل في التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران.
وتتحرك الكويت وسط هذه الأمواج العاتية وفق سياسة "الاتزان الستراتيجي" التي ترفض الانجرار إلى سياسة المحاور، أو السماح بتحويل أرضها إلى ساحة لتصفية الحسابات؛ حيث توازن بذكاء وعقلانية بين صون شراكتها الستراتيجية الحيوية مع الحليف الأمريكي، والإبقاء على قنوات حوار مفتوحة، وبناءة مع طهران.
وتأتي هذه المقاربة انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أمن الخليج، واستقراره، لا يتحققان بالمواجهات العسكرية، بل عبر تفعيل لغة الحوار، وخفض التصعيد، واحترام سيادة الدول.
وهكذا تبرهن التجربة الكويتية أن الاستقرار المستدام ليس نتاج ظرفٍ عابر، بل حصيلة رؤية سياسية ممتدة، تتكامل فيها القيادة الرشيدة مع مؤسسات دستورية راسخة، ومجتمعٍ واعٍ يشكل مع الدولة بنيةً متماسكة للحصانة الوطنية.
فهذه المعادلة لا تقوم على التوازي الشكلي بين عناصرها، بل على تفاعلٍ عميق يُنتج عقداً اجتماعياً، ووجدانياً، متيناً، يجعل من إدارة الاختلاف ممارسةً مؤسسية، ومن مواجهة الأزمات فرصةً لإعادة إنتاج التماسك الوطني وتعزيز وحدة الدولة.
وفي هذا السياق، يواصل حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح ترسيخ هذا النموذج عبر تعزيز الأمن الوطني، وتكريس هيبة الدولة، وتفعيل سيادة القانون داخلياً، مع الالتزام بثوابت السياسة الخارجية القائمة على الاعتدال، والتوازن، والانفتاح، بما يحفظ للكويت بوصلتها التاريخية، ويؤكد قدرتها على صون استقرارها ودورها في محيط إقليمي شديد الاضطراب.
$ خبير سياسي وعسكري