قصص إسلامية
التاريخ مليء برجال عظماء غيروا وجه العالم وقدموا إسهامات جليلة في العلوم، الطب، أو التاريخ الإسلامي والإنساني، لكن طواهم النسيان ولم ينالوا التقدير الإعلامي أو التاريخي الذي يليق بحجم تأثيرهم.
من هؤلاء الرجال الذين نسيهم الناس مظفر الدين كوكبوري الحاكم العادل، وُلِدَ في أربيل في 27 محرم (549هـ- 1153م)، لفرط جرأته وإقدامه في القتال لقب بـ"كوكبوري" أي "الذئب الأزرق".
نشأ نشأة دينية، أهّلته أن يكون حاكماً صالحاً، كما كان بعيداً عن مظاهر الإمارة، والملك، بل إن معيشته كانت اقرب إلى معيشة الزهاد والمتصوفين، واهتم بالعلماء والفقهاء والعلوم الدينية.
تولى مظفر الدين إمارة اربيل بعد وفاة والده مباشرة، وهي كانت قلعة حصينة ومدينة كبيرة من أعمال مدينة الموصل، لكنه كان قاصراً عن إدارة شؤون الحكم والإدارة بنفسه لصغر سنِّه، فعمل نائب الإمارة مجاهد الدين قايماز بتدبير شؤون الدولة، ولم يبق لمظفر الدين من الملك سوى مظاهره.
ولما اشتد عود مظفر الدين نشب خلاف بينه وبين الوصي على الحكم، انتهى بخلع مظفر الدين من الإمارة سنة 569هـ- 1173م، وإقامة أخيه زين الدين يوسف خلفاً له. فاتجه مظفر الدين نحو الموصل لعله يجد من حاكمها سيف الدين غازي بن مودود معاونة تمكّنه من استرداد إمارته، لكن سيف الدين عوّضه عن إربيل، بأن أدخله في حاشيته، وأقطعه مدينة حران، فانتقل إليها، وأقام بها تابعاً لسلطان الموصل، وظل يحكم حران حتى سنة 578 هجرية.
انفصل مظفر الدين عن الموصل ودخل في حكم السلطان صلاح الدين الأيوبي، ومن ثَم انفتح له مجال الجهاد ضد الصليبيين، أعجب صلاح الدين بشجاعته، وثباته في ميادين الجهاد، وتحول الإعجاب إلى توثيق للصلة بين الرجلين، فمنحه إمارة مدينة الرها إضافة لحران، وتزويج أخت صلاح الدين ربيعة خاتون، وأنجب منها ابنتين، وزوّج مظفر الدين ابنتيه من ابني القائد نور الدين زنكي.
وشارك مظفر الدين في معظم الحروب التي خاضها صلاح الدين ضد الصليبيين، كما تولى قيادة جيوش الموصل والجزيرة في "معركة حطين" (583هـ- 1187م)، يذكر التاريخ نجاح خطته في هزيمة الجيش الصليبي.
أصدر صلاح الدين الأيوبي منشوراً على تولية مظفر الدين لولاية اربيل، وما يتبعها من البلاد، وأذاع المنشور في كل البلاد الإسلامية، وعندما توفي القائد صلاح الدين الأيوبي انتهز مظفر الدين كوكبوري فرصة النزاع الأسري الأيوبي، فاستقل بمدينة اربيل، وحولها إمارة، واتخذ لنفسه لقب الملك المعظم. وفعلاً كان ملكاً عادلاً شجاعاً، فهو رجل دولة وإدارة يُعنى بشؤون إمارته؛ فقام بانشاء المدارس والمستشفيات، وعمل على نشر العلم وتشجيع العلماء، ونهض بالزراعة والتجارة. وصلت إمارة اربيل إلى أوج عظمتها عام 600 هـ - 1203م.
وهو من أوائل الحكام الذين ارسوا نظام الرعاية الاجتماعية، وتعدى نشاط مظفر الدين إلى خدمة غير أهل بلاده؛ فبنى داراً للضيافة في إربيل لمن يفِد إليها للتجارة، أو لقضاء مصلحة، أو للمسافرين
ورأى أنه مسؤول عن الأسرى الذين يقعون في أيدي الصليبيين؛ فلم يتوانَ في شراء حريتهم، فكان يرسل نوّابه إلى الصليبيين لفداء الأسرى، وقد أُحصي الأسرى الذين خلّصهم من الأسر مدة حكمه، فبلغوا ستين ألفاً ما بين رجل وامرأة.
وامتدَّ برّه إلى فقراء المسلمين في الحرمين الشريفين، مكة والمدينة؛ فكان يرسل إلى فقرائهما كل سنة غذاءً وكساءً، ما قيمته ثلاثون ألف دينار توزع عليهم، كما بنى بالمدينتين المقدستين خزّانات لخزن ماء المطر؛ حتى يجد سكانهما الماء طوال العام، وذلك بعد أن رأى احتياجهما إلى الماء وما يجدونه من مشقة في الحصول عليه، خاصة في مواسم الحج.
حكم مظفر الدين مدينة إربيل نصف قرن من الزمان حتى قارب عمره الثمانين عاماً، ثم وافاه الأجل في يوم الأربعاء في الرابع عشر من رمضان عام
(630 هـ - 1232م) في إربيل.
رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
$ إمام وخطيب