الأحد 05 يوليو 2026
39°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الأوطان التي تستثمر في الإنسان لا تخسر
play icon
كل الآراء

الأوطان التي تستثمر في الإنسان لا تخسر

Add as Preferred Source on Google
Time
السبت 04 يوليو 2026
محمد ناصر العليم

تقاس قوة الدول بما تمتلكه من موارد، لكنها تُقاس أكثر بما تمتلكه من إنسان، قادر على البناء والإبداع، وتحمل المسؤولية. فالثروات قد تنضب، والتقنيات قد تتغير، أما الإنسان المؤهل، الواعي، وصاحب القيم الراسخة، فهو الثروة التي تتجدد مع الزمن، وهو الاستثمار الذي لا يعرف الخسارة.

لقد أثبتت تجارب الدول المتقدمة، أن النهضة الحقيقية لم تبدأ من النفط، أو المصانع، أو الأبراج الشاهقة، بل بدأت من المدرسة والجامعة، ومن الاهتمام بالأسرة، ومن بناء منظومة تعليمية، وصحية، وثقافية تصنع إنساناً يمتلك العلم، ويؤمن بالعمل، ويعتز بوطنه.

فالاستثمار في الإنسان ليس مشروعاً قصير الأجل، بل هو رؤية تمتد آثارها إلى أجيال متعاقبة.

وفي عالم يتغير بوتيرة متسارعة، مع تطور الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، أصبحت المنافسة بين الدول قائمة على جودة العقول، أكثر من كثرة الموارد. ولم يعد السؤال: ماذا نملك، بل أصبح: من نصنع، وهل نُعِدُّ أبناءنا لمستقبل يتطلب التفكير، والابتكار، والقدرة على التعلم المستمر؟

ولا يقتصر بناء الإنسان على التعليم وحده، بل يشمل ترسيخ القيم، وتعزيز الانتماء الوطني، ورعاية الصحة، النفسية والجسدية، وتشجيع القراءة، وتنمية روح المبادرة، وإتاحة الفرص للشباب لإبراز مواهبهم والمشاركة في صناعة القرار. فالإنسان الذي يشعر أن وطنه يؤمن بقدراته، سيبادل وطنه إخلاصا وعطاء لا ينقطع.

وفي الكويت، تمتلك الدولة رصيداً بشرياً واعداً، وشباباً يحققون إنجازات في مختلف المجالات، العلمية والمهنية والرياضية والثقافية. واستمرار هذا النجاح يتطلب مواصلة الاستثمار في التعليم النوعي، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والتدريب، وتمكين الكفاءات الوطنية، لأن التنمية المستدامة تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه.

إن بناء الطرق والمباني ضرورة، لكن بناء الإنسان هو الإنجاز، الذي يمنح تلك المشروعات روحها وقيمتها. فالأوطان لا تنهض بالحجارة وحدها، إنما بالعقول التي تخطط، والقلوب التي تخلص، والسواعد التي تعمل بإتقان.

ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي ليس في ما نُشيِّده من مبانٍ، بل في ما نغرسه في الإنسان من علم، وأخلاق، وثقة، ومسؤولية. فكل مشروع يمكن أن يتوقف، وكل اقتصاد قد يواجه تحديات، لكن الإنسان المؤهل يبقى قادراً على النهوض بوطنه من جديد، وصناعة مستقبل أكثر إشراقاً.

ولعل أجمل ما يمكن أن تؤمن به أي دولة، هو أن الإنسان ليس مجرد مستفيد من التنمية، بل هو صانعها الأول، وحارس مكتسباتها، وأملها في الغد.

ولذلك ستظل الحقيقة ثابتة: الأوطان التي تستثمر في الإنسان لا تخسر، بل تكسب حاضرها، وتؤمّن مستقبلها، وتبني مجدها على أساس لا يتزعزع.

آخر الأخبار