الأحد 05 يوليو 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
بين القوة الحقيقية والإحساس بالضعف
play icon
كل الآراء

بين القوة الحقيقية والإحساس بالضعف

Add as Preferred Source on Google
Time
السبت 04 يوليو 2026
عبدالنبي الشعلة
وقفة

لماذا يتجرأ النظام الإيراني على ابتزازنا، وتهديدنا، والاعتداء علينا، وهل شجعه على ذلك إحساسنا بأننا الطرف الأضعف؟

هذا التساؤل كان محور نقاش جمعني اخيراً بعدد من الأشقاء الخليجيين، وهو ما دفعني إلى كتابة هذه المقالة.

فليست كل الهزائم عسكرية، وليست كل الانتصارات تُحسم في ساحات القتال. فكم من أمة امتلكت مقومات القوة، لكنها خسرت، لأنها اقتنعت أنها أضعف مما هي عليه. والحروب النفسية عبر التاريخ كانت دائماً مقدمة للحروب العسكرية؛ فمن ينجح في زعزعة ثقة خصمه بنفسه، يحقق نصف انتصاره، قبل أن تبدأ المواجهة.

ولعل هذا ما يدعونا اليوم إلى مراجعة نظرتنا إلى أنفسنا في دول "مجلس التعاون" الخليجي. فقد ترسخ لدينا، عبر سنوات طويلة، إحساس مبالغ فيه أننا الطرف الأضعف أمام التهديدات القادمة من الضفة الشرقية للخليج العربي، حتى أصبح هذا الشعور أحياناً أقوى من الحقائق ذاتها.

ولا يعني ذلك الدعوة إلى العداء أو المواجهة، فأنا من المؤمنين بالسلام والحوار، والتعاون مع الشعب الإيراني الجار، الذي تربطنا به روابط التاريخ والجغرافيا، والمصالح المشتركة.

غير أن ذلك لا يمنع من التمييز بين الشعب الإيراني والنظام الحاكم، الذي يبدو أنه وجد في تصدير الأزمات، وإدامة التوتر وسيلة لإشغال الداخل عن تحدياته المتراكمة.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه بكل صراحة: هل نحن فعلاً أضعف من إيران، أم أن المشكلة في الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا؟

إن المقارنة الموضوعية تكشف صورة مختلفة. فمن الناحية الاقتصادية، تشير تقديرات المؤسسات الدولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدول "مجلس التعاون" مجتمعة يبلغ نحو 2.5 تريليون دولار، مقابل نحو 300 مليار دولار لإيران، أي أن الاقتصاد الخليجي يفوق نظيره الإيراني بأضعاف عدة، بما يعكس قدرة أكبر على الاستثمار والتنمية، وبناء عناصر القوة الشاملة.

كما تتمتع دول المجلس بمستويات معيشة واستقرار اجتماعي مرتفعة، بينما تواجه إيران تحديات داخلية معقدة، وضغوطاً اقتصادية كبيرة نتيجة العقوبات، وتراجع القوة الشرائية.

وعلى المستوى الصناعي، حققت دول الخليج خلال العقود الأخيرة نقلات نوعية في قطاعات البتروكيماويات، والألمنيوم والطاقة، والخدمات اللوجستية، والصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة، بل أصبحت بعض شركاتها تطور تقنياتها الخاصة وتنافس عالمياً، في حين لا تزال قطاعات واسعة من الصناعة الإيرانية تواجه صعوبات مرتبطة بالعقوبات، ومحدودية الوصول إلى التكنولوجيا.

ومن عناصر القوة الخليجية كذلك شبكة العلاقات الدولية الواسعة، والتحالفات الستراتيجية التي بنتها دول المجلس مع الولايات المتحدة وأوروبا، والقوى الآسيوية الكبرى، إضافة إلى دورها المحوري في أمن الطاقة، واستقرار الاقتصاد العالمي، مقابل عزلة سياسية واقتصادية تحد من خيارات إيران.

أما عسكرياً، فالصورة أكثر توازناً مما يتصور البعض. صحيح أن إيران تمتلك حجماً بشرياً أكبر، وترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن دول الخليج تتفوق في حجم الإنفاق الدفاعي، ونوعية التسليح، والقدرات الجوية والدفاعية، والشراكات العسكرية. وفي عالم اليوم لا تُقاس القوة بعدد الجنود وحده، بل بالتكنولوجيا والكفاءة، والجاهزية.

إن إيران دولة كبيرة لا يجوز الاستهانة بها، وأمن المنطقة لن يتحقق إلا بالحوار والاحترام المتبادل، وعدم التدخل في شؤون الدول. لكن الحوار الحقيقي لا يقوم على شعور طرف بالضعف وآخر بالتفوق، بل على التوازن والثقة بالنفس.

فالرسالة ليست أن دول الخليج تبحث عن خصومة، إنما أنها تمتلك من عناصر القوة، ما يؤهلها لحماية مصالحها، إذا أحسنت توظيفها، خصوصاً من خلال وحدة الصف والعمل المشترك.

ولعل أخطر ما تواجهه الأمم ليس نقص الموارد، بل فقدان الثقة بالنفس. فالردع يبدأ من الداخل، واحترام الآخرين لنا يبدأ أولًا من احترامنا نحن لأنفسنا.

وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً

آخر الأخبار