يشهد الإعلام في عصرنا الحالي تحولاً جذرياً يختلف تماماً عمّا كان عليه في السابق، فقد انتقل من الصحف الورقية المحدودة الانتشار، إلى الإعلام الرقمي الواسع الذي يصل إلى الملايين بكبسة زر.
وهذه النقلة السريعة تُبرز مفارقات واضحة بين الماضي والحاضر في طريقة نقل الخبر، وتأثيره في المجتمع.
في الماضي، كان الخبر يحتاج إلى وقت طويل ليصل إلى الناس؛ إذ تمر المعلومة بمراحل الطباعة والتوزيع، ولا تصل إلا في اليوم التالي، كما كان القارئ ينتظر الجريدة، صباحاً، ليطّلع على ما يجري حوله.
أما اليوم، فالخبر يُنشر في اللحظة نفسها التي يحدث فيها، ويصل إلى الهواتف، والشاشات فوراً، دون انتظار أو عناء.
كما كانت الصحف الورقية تخضع لرقابة تحريرية دقيقة، وكان عدد المصادر محدوداً، مما يمنح الخبر قدراً أكبر من التحقق، بينما يتميز الإعلام الرقمي بالسرعة والتعدد، لكنه في المقابل يفتح الباب لانتشار الشائعات، والأخبار غير الموثوقة، إذ يستطيع أي شخص أن ينشر محتوى يصل إلى آلاف المتابعين خلال ثوانٍ.
ومن المفارقات أيضاً أن القارئ سابقاً كان يمنح وقتاً أطول لقراءة المقالة وتحليلها، بينما أصبح المتلقي اليوم يكتفي بعناوين سريعة ومقاطع قصيرة، ما يؤثر في عمق الفهم والتركيز.
فالإعلام الرقمي يعتمد على الجذب السريع، في حين كان الإعلام الورقي يميل إلى التفصيل والشرح.
ورغم هذه الفروق، لا يمكن إنكار أن الانتشار الرقمي أسهم في توسيع دائرة المعرفة، وسهّل الوصول إلى المعلومات، وأتاح التفاعل المباشر مع الأحداث، وصنّاع المحتوى. فأصبح الجمهور مشاركاً في صناعة الخبر، لا مجرد متلقٍ له.
في الختام، يتضح أن الانتقال من الورق إلى الشاشة لم يكن مجرد تطور تقني، بل تغيير شامل في أسلوب التفكير والتواصل. وبين بطء الأمس وسرعة اليوم، تبقى المسؤولية في استخدام الإعلام بوعي هي الأساس، حتى تكون "كبسة الزر" وسيلة للمعرفة لا أداة للتضليل.
كاتب ومحامٍ كويتي