الاثنين 06 يوليو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
مجزرة الكويت الطائفية
play icon
كل الآراء

مجزرة الكويت الطائفية

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 05 يوليو 2026
خالد أحمد الطراح

عانينا في الكويت، ولا نزال نعاني، من ارتدادات اشتباكات اجتماعية كادت، في لحظات فارقة، أن تُصيب نسيجنا الوطني في عمقه. ليست المسألة حادثةً عابرة، ولا سجالاً عاطفياً على منصات التواصل الاجتماعي، بل خطر متراكم عنوانه: تحويل الاختلاف المذهبي إلى أداة تعبئة وصراع.

لقد لعب نظام الولي الفقيه، بطبيعته الثيوقراطية، على أوتار الطائفية في الإقليم، متوسلاً خطاب "نصرة المستضعفين" لمد نفوذ سياسي واجتماعي، يتجاوز حدود الدولة الوطنية.

غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الخطاب الخارجي وحده، بل في قابلية بعض الأصوات الداخلية لالتقاطه، وتدويره في بيئتنا المحلية، بما يفتح الباب أمام شرخٍ اجتماعي عميق، نحن في غنى عنه.

قبل فترة، أثار تعليق لنائب كويتي سابق حول تعيين وزاري في السعودية جدلاً على منصة "إكس" لأحد الوزراء من الطائفة الشيعية، حين جرى توصيف الحدث بزاوية مذهبية ضيقة بوصفه حدثاً تاريخياً للمرة الاولى في تاريخ السعودية.

والرد بسرد قوائم الأسماء والانتماءات لا يُغني عن الحقيقة الأساسية: الدول تُقاس بكفاءاتها، لا بمذاهب مسؤوليها، وتُبنى بمواطنيها جميعاً، لا بتصنيفاتهم الطائفية. كلما جرى استدعاء المذهبية إلى ساحات التنافس السياسي والمهني والأكاديمي، كانت النتيجة استنزافاً داخلياً طويل الأمد على المستويات، الاجتماعية والدينية والسياسية.

دفعت دول شقيقة في "مجلس التعاون"، كما في العراق ولبنان واليمن، أثماناً باهظة نتيجة تغليب الاصطفاف الطائفي على منطق الدولة الوطنية، ولم يكن الرابح في تلك المعادلات سوى مشاريع الفوضى والغوغائية، فيما كان الخاسر هو المواطن، أياً كان المذهب أوالانتماء.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحويل القرارات السيادية في الدول الخليجية إلى مادة استقطاب مذهبي وطائفي عابر للحدود. فحرية الرأي، وهي قيمة دستورية واجتماعية وسياسية راسخة في الكويت، لا تعني تجاوز سقف المسؤولية، ولا فتح نوافذ الرياح على بيت خليجي واحد تتشابك مصالحه، وأمنه واستقراره.

لقد علّمنا التاريخ أن التمييز، أياً كان شكله ومصدره، يزرع بذور الانقسام والاقتتال في الداخل، وأن الخطاب التحريضي، ولو بدأ بتدوينة أو منشور، قد ينتهي إلى قطيعة اجتماعية وطائفية، يصعب رأب صدعها.

ومن يتوهّم أن إثارة الفتنة الطائفية مكسبٌ ظرفي، ينسى أن نارها إذا اشتعلت لا تميّز بين السنة والشيعة، ولا بين دولة وأخرى، ولا بين عِرق وآخر.

نحن ننشد في الكويت وحدةً وطنيةً لا تُختزل في الشعارات، بل تتجسد في خطاب مسؤول، ورؤية راسخة، ووعيٍ يرفض الانجرار إلى ملاعب وساحات المجزرة الاجتماعية. كما ننشد في دول "مجلس التعاون" صفاً واحداً في وجه كل مشروع يسعى إلى تفتيت المجتمعات من داخلها.

المطلوب اليوم مراجعة دقيقة، ولغة حصيفة، وإدراك أن معارك التصنيف لا تبني دولة ولا مجتمعاً، وأن الانتصار الحقيقي لا يكون بتسجيل المواقف، أو التحفظات المذهبية والدينية، بل في حماية السلم الداخلي، وتعزيز الوحدة الوطنية، وصون الكرامة الوطنية، وترسيخ قيم التسامح والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع.

فالوطن، في نهاية المطاف، أكبر من الطوائف والأعراق، وأسمى من كل خلاف عابر، وأبقى من كل سجال أو انتماء فرعي؛ فهو المظلة التي تتسع للجميع، والحصن الذي لا يقوم إلا بوحدة أبنائه.

آخر الأخبار