الاثنين 06 يوليو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الاستدامة البيئية في إدارة الحشود بين الحج وكأس العالم
play icon
كل الآراء

الاستدامة البيئية في إدارة الحشود بين الحج وكأس العالم

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 05 يوليو 2026
د.سامي العدواني

على مدى خمس سنوات، متواصلة، دأب الاتحاد الدولي للمسؤولية المجتمعية عقد الملتقى السنوي لتحالفه المدني الداعم لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر.

هذه المرة توقفنا عند تطبيقات الاستدامة البيئية في حج هذا العام، الذي تحول من شعائر تعبدية، تجمع الإيمان بالسلوك والروح بالمسؤولية، إلى نموذج عالمي، ومنصة دولية لتطبيقات الاستدامة البيئية، واختبار أعمق مفاهيم التنمية الشاملة، في انسجام مباشر مع مستهدفات مبادرة الشرق الأوسط الأخضر.

إن الحج بحجمه الإنساني الفريد، وتنوعه الثقافي الواسع (مليون و700 ألف حاج هذا العام من180 عرقية)، يفرض تحديات بيئية غير مسبوقة، لا على صعيد الكثافة البشرية العالية، ولا على استهلاك المياه والطاقة والنقل، وكميات النفايات التي تصل إلى 266 طناً، بالإضافة إلى الضغط على الموارد والبنية التحتية.

دعوني أشارك معكم مقارنة هذا الجهد بتظاهرة عالمية كبرى، مثل كأس العالم"، والتي تزامنت أجواؤها مع موسم حج هذا العام.

تتجلى خصوصية التجربة السعودية في الحج بشكل لافت فكأس العالم الذي يقام كل أربع سنوات، ويُنظَّم هذا العام عبر ثلاث دول وأكثر من 16 مدينة، وبعد تحضيرات تمتد لعشر سنوات وأكثر، بينما يُدار الحج سنوياً في مدينة واحدة، ومشاعر محددة، ويستقبل أعداداً بشرية هائلة خلال أيام معدودة، مع الحفاظ على أعلى معايير السلامة، والاستدامة البيئية.

هذه المقارنة لا تنتقص من قيمة أي تجربة، بقدر ما تبرز حجم التعقيد، والكفاءة المطلوبة، لإدارة الحج بوصفه الحدث البشري الأكبر، والأكثر تكراراً في العالم.

اللافت في التجربة السعودية، هو الانتقال الواعي من إدارة هذه التحديات بمنطق "الاستجابة الموسمية" إلى "الاستدامة المنهجية"، أي التفكير في الأثر طويل المدى، لا في الحلول الموقتة فقط. وتشير البيانات والمؤشرات، التي جرى تداولها خلال أعمال الملتقى، إلى أن موسم الحج لهذا العام مثّل واحداً من أكبر الاختبارات التطبيقية لمفاهيم الاستدامة البيئية، على مستوى العالم.

فقد تم التعامل مع منظومة تشغيلية متكاملة عملت على مدار الساعة، مع رفع الجاهزية التشغيلية، وتوزيع آلاف الحاويات، وتكثيف أعمال النظافة والفرز، وإعادة التدوير، بما انعكس إيجاباً على الصحة العامة والحد من التلوث البيئي والبصري. وفي جانب إدارة الحشود، أسهم توظيف الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية، وإنترنت الأشياء في تحسين انسيابية الحركة وتقليل الازدحام وخفض الانبعاثات الكربونية بصورة ملموسة.

لقد شهد الموسم توسعاً في استخدام النقل الجماعي الذكي، وقطار المشاعر، واعتماد حلول متقدمة لترشيد المياه والطاقة، شملت إعادة استخدام المياه الرمادية، وأنظمة التبريد الذكية، والرصد البيئي اللحظي لجودة الهواء، وعلى صعيد الغطاء النباتي.

تواصلت مبادرات التشجير، وزيادة المساحات الخضراء، بما يسهم في خفض درجات الحرارة، وتحسين جودة الحياة، إذ تضمن "برنامج مكة" حتى العام 2030 زراعة 15 مليون شجرة، وحتى نهاية العام 2025 تم زراعة 3.7 مليون شجرة، والمتوقع أن تساهم في خفض درجات الحرارة بنسبة 30 في المئة.

بالإضافة لهذا، فقد شارك في هذه المنظومة أكثر من 30 ألف متطوع، مثلوا الذراع المجتمعية لنشر الوعي البيـئي، وتحويل الحاج من متلقٍ للخدمة، إلى شريك في حماية الموارد. وفي تقديري أجد أن جوهر الاستدامة في الحج، كما استنتجت ذلك ومن وحي أوراق عمل الملتقى، مرتبط بالإنسان قبل التقنية، فإشراك الحاج في منظومة الوعي البيئي عبر التوعية والتطوع، وتحسين السلوك يمثل حجر الزاوية في أي تحول مستدام، وحين يدرك الحاج أن عبادته تمتد آثارها إلى ما بعد المناسك، يصبح الحج تجربة إيمانية ذات بصمة خضراء.

في الختام كانت كلمة الدكتورعلي شراب الباحث السعودي المميز في الملتقى تضمنت اقتباساً للمثل الصيني الذي يقول:"إذا اهتم المزارع بالجذور اهتمت الأغصان بالأوراق"، إن مواءمة تطبيقات الاستدامة في الحج تزامناً مع مبادرة الشرق الأوسط الأخضر تقدم نموذجاً عالمياً رائداً، فقد أثبت أن القيم الدينية قادرة على قيادة التحول البيئي، وأن أعظم مواسم العبادة يمكن أن يكون أيضاً أفضل منصات الوعي والمسؤولية، وحينها يبدأ الوعي البيئي من الحج…ولا ينتهي عنده.

خبير استدامة

آخر الأخبار