قصص إسلامية
"قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا"
(الكهف 103-104)
هذه الآية لا تتحدث عن أناس يفعلون الشر، وهم يعلمون أنه شر، بل عن حالة أشد خطورة:
إنسان يبذل جهداً كبيراً، ويضحي، ويجتهد، ويعتقد أنه على حق، بينما هو في الحقيقة يسير في الاتجاه الخاطئ المدمر تماماً.
لذلك وصفهم الله بـ"الأخسرين أعمالاً"؛ لأن صاحب المعصية قد يراجع نفسه ويتوب، أما من يظن أنه محسن فقد لا يشعر أصلاً أنه يحتاج إلى مراجعة أو تصحيح.
الجانب المرعب في الآية هو أن الإخلاص وحده لا يكفي، إذا غاب الحق والهدى؛ فقد يكون الإنسان مقتنعاً تمام الاقتناع بما يفعل، لكن الاقتناع ليس دليلاً على الصحة، فإن أخطر ما على الأمم هو الفقر والجهل، والظلم والفساد المالي والاجتماعي، وغياب العدالة في توزيع الثروة وحقوق الناس.
ثورة الزنج من أعنف الثورات التي شهدتها الخلافة العباسية، للأسباب ذاتها التي كانت سائدة بين عامي 255 و270 هجرية، فما قصتها، ومن هو قائدها، وماذا فعل الزنج في البصرة؟
في تلك السنة ظهر رجل في البصرة زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، كان أجيراً، وأصله من قرية من قرى منطقة الريّ (طهران حالياً).
أخذ هذا الرجل في دعوة العبيد، وكلّمهم عن الحرية، والعدل، والمساواة، والفساد، وضرورة توزيع الثروة بين الناس بالعدل والقسط، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالتف عليه جماعة من الزنج والعبيد والمظلومين وجهلة الناس، واجتاز بهم نهر دجلة، ولم يكن عددهم كبيراً، ففكّر في كيفية توسيع قاعدته.
انتقل هذا الرجل إلى بغداد ليدعو الناس، خصوصاً من الفقراء الجهلة والمظلومين، إلى مبادئه البراقة، وزعم أنه يعلم ما في ضمائرهم، وأن الله يُطلعه على ذلك، فراج أمره في بغداد، وكثر جمعُه، فعاد بهم إلى البصرة، وأخذ في الاصطدام مع والي المدينة، وانتصر عليه مرات عدة، وهُزم هو مرات عدة، لكنه كان قويّ العزيمة ثابت الرأي، وحتى يستميل الناس لم يكن يتعرض لأموالهم، ولا يؤذي أحداً، إنما يأخذ مال السلطان، فقَوِي شأنه، واستفحل أمره. شعر الخليفة العباسي بخطورة الرجل، فأرسل إليه جيوشاً عدة لمحاربته، وانتصر عليه، ثم انتقل بثورته إلى فارس لدعوة الناس هناك، مستغلاً جهل أهل البلاد، واستعداد الناس لقبول مثل هذه الأفكار، ومكث هناك فترة حتى جاءته الأخبار أنّ أهل البصرة قد اتسعت أملاكهم، وكثرت أموالهم، فقرّر الهجوم عليها.
فقال لاتباعه محرّضاً على الهجوم على البصرة: "دعوت الله على أهل البصرة فخوطبت إنما أهل البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها، فإذا انكسر نصف الرغيف خربت، فأوّلت الرغيف القمر، وانكساره انكسافه، ورفعت البصرة لي بين السماء والأرض، ورأيت أهلها يُقتلون، ورأيت الملائكة تقاتل معي وتثبت جيوشي".
وورد في الأخبار أنه انكسفت الشمس ليلة 14 شوال سنة 257 هجرية، فحميت نفوس أتباعه الجهلة، وظنوا أنهم على الحق.
إن شيطان أهل الباطل في عصرنا هو الإعلام الفاسد بلا ضمير، المزيف، الذي يقلب كل حقيقة باطلاً، وكل باطل حقيقة، كأنه دجال هذا العصر.
وما يفعله الإعلام الفاسد؛ هو إقناع الناس أنّ رجلاً أخرس قال لرجل أطرش: إن رجلاً أعمى شاهد رجلاً مشلولاً يلحق برجل مبتور اليدين ليمنعه من شدّ شعر رجل أصلع!
والأمّة المغيّبة (صناعة الجهل) عن الوعي والعلم، كبنيان بلا قواعد وأعمدة راسخة، إذ مع أول هزة يقع البنيان على الجميع، فلتكن معركتنا الحقيقية لنهضة أمتنا توعية الأجيال، والتوقف عن صناعة الجهل، وتعليم الناس، وتربيتهم على العقيدة الوسطية السمحة، والأخلاق الفاضلة.
هجم هذا الدعي، ومن تبعه من الجُهّال، على مدينة البصرة يوم 14 شوال سنة 257 هجرية، فدمروا المدينة تدميراً كاملاً، وأحرقوا جامعها، ونادى أحد أمراء هذا الدعيّ في أهل المدينة: "من أراد الأمان فليحضر"، فاجتمع عنده خلق كثير، فغدر بهم المجرم، وأمر بقتلهم جميعاً، وكان الزنج يحيطون بجماعة من أهل البصرة، ثم يقول بعضهم بعضا: "كيلوا"، وهي الإشارة بينهم إلى القتل، فيحملون عليهم بالسيوف، فلا يُسمع إلا قول: "أشهد أن لا إله إلا الله"، من أولئك المقتولين.
أدت هذه الفتنة إلى نشر الأمراض والأوبئة بسبب ما عاناه الناس من فقر وجوع، حتى أكلوا الجيف، وأدت إلى أن يأسر الزنوج آلاف الحرائر. وورد في بعض المراجع التاريخية أنه قتل من المسلمين عدد كبير، أقل تقدير له هو مليون ونصف المليون مسلم، خلال 15 سنة، كما اعتبرت هذه الحركة الفاسدة من الأسباب التي ساعدت على تفكك الدولة الإسلامية خلال العصر العباسي الثاني.
وفي النهاية فشلت ثورة الزنج في أن تكون ثورة اجتماعية، بسبب الجرائم الوحشية التي ارتكبوها، والنيْل من صرح الحضارة الإنسانية، وانتهت إلى مزبلة التاريخ، غير مأسوف عليها، بعد أن عانت الأمة الإسلامية الويلات من مغامراتها.
إنه لايصح إلّا الصحيح، والعاقبة للمتقين.
$ إمام وخطيب