الأربعاء 08 يوليو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
كوبنهاغن... بوصلة المدن نحو مستقبل مستدام
play icon
كل الآراء

كوبنهاغن... بوصلة المدن نحو مستقبل مستدام

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 07 يوليو 2026
د. ناصر حسين عباس

في عالم يتسابق نحو التحضر السريع، تبرز العاصمة الدنماركية كوبنهاغن لا كمدينة مثالية، بل كنموذج رائد في إعادة صياغة مفهوم المدينة المعاصرة.

إنها ليست مجرد وجهة سياحية، بل مختبر حي للاستدامة الحضرية، يقدم دروساً جوهرية، يمكن استلهامها في سياقنا المحلي في دولة الكويت.

تتجاوز كوبنهاغن كون الاستدامة فيها "شعاراً بيئياً"، لتجعلها عملية تصميم نُظم متكاملة. ولعل أبرز تجلياتها هو قطاع النقل؛ حيث تتم أكثر من 40 في المئة من التنقلات اليومية عبر الدراجات الهوائية. هذا التحول لم يكن صدفة، بل نتاج عقود من التخطيط الستراتيجي الذي جعل من مسارات الدراجات "بنية تحتية أساسية"، وليست مجرد ترفيه. وفي المناطق الحضرية الجديدة، يطبق مفهوم "مدينة الـ 5 دقائق"، حيث يجد السكان كافة احتياجاتهم من سكن وعمل وخدمات ضمن مسافة تسمح بالوصول إليها سيراً، أو بالدراجة.

تواجه الكويت تحديات، مناخية وحضرية، فريدة، لكن تجربة كوبنهاغن تقدم رؤى قابلة للتكييف؛ إذ يمكننا في مجال التخطيط الحضري تبني مفهوم "مدينة الـ 5 دقائق" من خلال تطوير مجمعات سكنية متكاملة الخدمات، لتقليل الاعتماد على المركبات الخاصة، كما يمكننا في مجال الطاقة استغلال الطاقة الشمسية الوافرة، وتكاملها في كفاءة التبريد للمباني استلهاماً من نماذج التدفئة المناطقية، بالإضافة إلى أهمية دمج مفاهيم المدن الذكية في مناهج الـ" STEM" لتنشئة جيل واعٍ بيئياً، يدرك كيفية ربط السلوك المجتمعي بالبنية التحتية.

أثبتت كوبنهاغن أن الحفاظ على البيئة لا يتعارض مع النمو الاقتصادي، بل يحفزه. فمنذ عام 2005، نجحت المدينة في خفض انبعاثاتها الكربونية بأكثر من 40 في المئة، بالتوازي مع ازدهار اقتصادها. هذا الدرس مهم للكويت في إطار "رؤية كويت جديدة 2035"، حيث يمكن لاستثمارات الطاقة المستدامة، وكفاءة المباني، أن تخلق فرصاً وظيفية نوعية في قطاعات الابتكار والتقنية الخضراء.

إن تحويل المدن لا يحدث بين عشية وضحاها؛ بل يتطلب محاذاة دقيقة بين البنية التحتية، والسياسات، والسلوك المجتمعي. إن كوبنهاغن لا تقدم لنا "نموذجاً نهائياً" للتقليد، بل "نموذجاً أولياً" للتطوير المستمر. بالنسبة للكويت، فإن تبني هذه الفلسفة يعني الانتقال من "التخطيط المعتمد على السيارة" إلى "التخطيط المعتمد على الإنسان"، مما يضمن جودة حياة أفضل للأجيال القادمة.

ختاماً، تبقى كوبنهاغن رسالة مفادها أن التغيير ممكن إذا ما امتلكت الإرادة السياسية والتخطيط العلمي المتكامل، وهو الطريق الأوحد لبناء مدن المستقبل التي نطمح إليها.

كاتب كويتي

آخر الأخبار