مرايـا الروح
يُخفي الله عن عباده حِكمته في كثيرٍ من شؤونهم، فيمضون في طرقٍ لا يعرفون نهاياتها، ويعيشون أحداثاً لا يدركون أسرارها، إلا بعد أن تنقضي.
ولولا أن تُحجب الحكمة عن العبد، ما اختُبر إيمانه، ولا تجلّى في قلبه مقام التسليم. فالحكمة الإلهية ليست غائبة، بل مستترة عن الأبصار، لتُظهر جوهر القلوب، وتكشف من يعبد الله على يقينٍ ممن يعبد على شرطٍ ورجاء.
تضيق الدنيا، أحياناً، رغم سعتها، وتتعقد الأسباب، حتى يُغلق أمام العبد كل بابٍ إلا باب السماء، فيدرك حينها أن البلاء لم يكن إلا طريقاً إلى الصفاء، وأن المنع كان عين العطاء. هناك، في تلك اللحظة التي يعجز فيها العقل عن الفهم، يتكلم القلب بلغة الرضا، ويوقن أن وراء كل أمرٍ تدبيراً أرحم به من نفسه.
الرضا ليس فتوراً او جموداً، ولا استسلاماً للعجز، بل هو يقينٌ بأن ما اختاره الله لك هو الخير، وإن خالف رغبتك، وإيمانٌ بأن وراء الغيب لطفاً خفياً لا تراه العيون، إلا حين تأنس الأرواح بربها.
إنه مقامٌ لا يُنال بكثرة المعرفة، بل بصفاء القلب، وتطهيره من الاعتراض، حتى يصبح ساكناً تحت مجاري الأحكام كما قال (الحارث المحاسبي).
الراضي لا يخاصم القدر، ولا يجادل الأيام، بل يرى في كل ما يجري وجه الله الذي لا يُدبّر إلا بحكمة. فحين تسكن النفس إلى هذا الفهم، تتبدّل مرارة البلاء إلى حلاوة قرب، ويغدو الألم طريقاً إلى الرضا.
الرضا أرفع من الصبر؛ لأن الصابر يَحتمِل الألم، أمّا الراضي فيتجاوز الألم نفسه. الصبر موقفٌ عند باب البلاء، بينما الرضا سكنٌ في قلبه مع الاطمئنان. لذا قال أهل الله: من رضي ارتاح، ومن سخط تعب.
وقد كان الأنبياء (عليهم السلام) أئمة الرضا، فما عرفوا الجزع ولا عرف السخط إلى قلوبهم طريقاً. أيّوب (عليه السلام) حين أضناه المرض لم ينطق إلا بحمد ربه، وزكريّا حين تأخرت الإجابة لم يزد على الدعاء سراً بثقة المحبّ. تلك القلوب المؤمنة أدركت أن ما يخفيه الله عنها ليس حرماناً، بل تربية، وليس بعده إلا الفضل والاصطفاء.
في حياة الرضا يتغير ميزان النظر؛ فلا يُقاس الخير بالمنفعة، ولا الرزق بالكثرة، بل بالسكينة التي تملأ القلب حين يُقال: "قدر الله وما شاء فعل". ومن ثمار الرضا القناعة وعزّة النفس، إذ لا يعلّق المؤمن قلبه إلا بمن بيده كلّ شيء.
أمّا السخط، فهو كذرّة غبارٍ تعكر صفاء الماء، لحظة واحدة منه قد تفسد صفو سنينٍ من الطمأنينة. لذلك، فإن صفاء القلب لا يُنال إلا بالتسليم، والسكينة لا تُوهب إلا لمن رضي.
ولبلوغ مقام الرضا، لا بدّ من يقينٍ بأن لله حكمة في كل ما يجري، وحسن ظنٍّ به لا يتزعزع، ودوام ذكرٍ يلين به القلب، وتأملٍ في نعمه الظاهرة والخفية.
الرضا إذن ليس مجرد خُلُق، بل فنّ العيش في ظل الغيب بثقةٍ وطمأنينة، وهو جنّة المؤمن في الدنيا قبل جنة الآخرة، كما قال تعالى: "ورِضوانٌ من الله أكبر". ذلك هو الفردوس الذي يبدأ من هنا… من قلبٍ قال في وجه البلاء: الحمد لله على كل حال.
كاتبة كويتية