الخميس 09 يوليو 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
طوبى لفاعِلي السّلام
play icon
كل الآراء

طوبى لفاعِلي السّلام

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 08 يوليو 2026
د.جورج شبلي

في الزَّمنِ العَبوس، عندما تُدرِكُ النّزعةُ العاصفةُ في الإنسانِ كوامنَها، وتُطرقُ الى ما يَنطقُ فيها من رجّاتِ عِداء، لا تحصلُ الموازنةُ إلّا في رفعِ الحجابِ عن السّلامِ لتُجنى محاسنُهُ. وهذا لا يعني، في أيٍّ من الأحوال، تَوَدُّداً لاستدراجِ الهروبِ من المواجهة، إنّما لتَوَسُّطٍ مُجْدٍ مع المُنى بالسّلام، ليكون الأكثرَ سلطانا في النّاس...والعجائبُ تَحدثُ دائما.

كم من الأسئلةِ طاولَت مجرياتِ الأحداثِ التي تعاقبَت في معابرِ الزّمن، وكُدَّ السّائلون بشيءٍ من الاستعجالِ للوصولِ الى الأجوبة، ربّما بفُضول كثيراً ما كان في غايةِ التَّعقيد، وربّما لقَلَقٍ، وغربةٍ، وضَياعِ اطمئنان.

ليس غريباً أن تسلكَ علاقاتُ النّاسِ مَطافَ المخاصمةِ، والعدائيّةِ النَّشِطَة، فالإنسانُ مفطورٌ على الشرّ، أو هو مدسوسٌ ينبغي التخلّص منه. وقد أشارَ الى ذلك، العهدُ القديمُ في أسطورةِ قايين وهابيل، وكذلك، فَعَلَ الفلاسفةُ، والشّعراءُ، وعِلمُ الاجتماع.

قالَ جان بول سارتر: "الجحيم هو الآخرون"، وقال هوبز: "إنّ الإنسانَ ذئبٌ على أخيه الإنسان". وقال أبو الطيّب المتنبّي:

"أَكُلَّما أَنبَتَ الزّمانُ قناةً رَكَّبَ المرءُ، في القناةِ، سِنانا".

لم يحدثْ في أسلوبيّةِ التّعاطي الرَّسمي مع قضيةٍ، كما يحدثُ، في موضوعِ السّلام، في الدّوائرِ الدوليّة. فاللّجوءُ الى الدَّوَرانِ حول المعاني، منذُ السَّيرورةِ الأولى لهذه المسألة، والدَّلَفُ الى المداورةِ والالتفافِ، كانا يشكّلان، دوماً، النَّمطَ الغالِبَ في الحواراتِ، والأبحاثِ، والمؤتمرات، والمفاوضات، وذلك، إمّا لمراعاةِ ظرفٍ، أو لتَهَرُّبٍ من مواجهة.

في حين كانت توصيةُ الشّعوب، في غابرِ الأيامِ وحديثِها، تعميمَ مَذاقِ السّلامِ على النّاس، فالبشريّةُ، من حقِّها، أن تتنعَّمَ بالطمأنينةِ، والأمان، وراحةِ البال.لقد صحا نزيفُ المطالبةِ بنَشرِ المسالمة بين شعوبِ الأرض، وبشكلٍ غيرِ رَكيك، وبعمقِ بلاغ، في مطالعاتِ السوسيولوجيّين الذين ركّزوا على أنّ السلامَ هو الملجأُ الذي يُركَنُ إليه، رَّغم وعورةِ المسالك التي تفتعلُها الأنانيّاتُ، وحبُّ السيطرة، وبسطُ الوصاية، ما يُحكِمُ نَحتَ عالَمٍ متشنّجٍ، ومضطربٍ باستمرار. وللأسف، ففي أيدي المُشَنِّجينَ مُدِمِني العدائيّة، وهم ليسوا قِلّة، يوضَعُ مصيرُ النّاسِ، ويُعَلَّقُ أمانُهم على خيطٍ ضعيفٍ فوق هاوية، لتسودَ الصراعاتُ، والمواجهاتُ القاتلة، والحروبُ الشّنيعة، التي يستغلُّها الكِبارُ لتحقيقِ ثرواتٍ، ومناطقِ نفوذ، وحُكمِ الكَون...ويدفعُ ثمنَها، دائماً، الضّعفاءُ الذين لا حولَ لهم. وذلك، استنادا الى ما قالَه لا فونتين من أنّ "منطق الأقوى هو الغالِبُ دائمًا".

إنّ شَرعنةَ القوّة جذَّرَت شريعةَ الغاب في المجتمعات البشريّة، من هنا، يُفهَمُ، تماماً، كيف رَسَت، وترسو، العلاقاتُ بين الأفرادِ، والجماعات، على ثقافةِ الاعتداء، والبغضاء، والمنافسةِ على السّلطان، والظّلم، وإزالةِ الآخر.

وما الدّعواتُ الى إحلالِ السّلامِ في الكرةِ الأرضية، من جانبِ أكثرِ الدّاعين، سوى بروباغاندا لنشرِ إشاعاتٍ مُبهِرَةٍ في ظاهرِها، مُلتَوِيةٍ في أغراضِها، يَهدفُ التَّبشيرُ بها، تبييضَ صفحةِ إجرامٍ موصوف، وعن سَبْقِ تصميمٍ، يقترفُهُ المستَقوونَ، ويجنونَ به، عنوةً، هيمنةً مُحكَمَةً على قرارِ الآخرين، وتأميناً لمصالحهم التي لها الأوليّة.

إنّ غرفة العمليّات في مجتمع الغاب، أو مجتمع الاغتيال المدمِّر للحياة، تلجأُ الى أنواعٍ عقابيّة تُنتِجُ طوفانَ دَم، بأسلوبٍ خَشِنٍ، ووحشيّةٍ قاتلة تبتلعُ الضحايا. أمّا السببُ الكلاسيكي للجلّادين، المتلطّين خلفَ آلةِ الموت في وكر الشّيطان، فهو الهيمنة، وامتلاك النّفوذ، واستدامة السَّطوة. كلُّ ذلك، لترسيخ دكتاتوريّة القوّة، وإمبراطوريّة الغوغاء.

لكنّ ذلك لا يعني، أبداً، أنّنا نُسَخِّفُ ما تمارسه بعضُ المنظّماتِ الدولية، والإقليمية، والمحليّة، من جُهدٍ مشكور، لإسماعِ الصّوتِ، دفاعا عن حقِّ المغلوبِ على أمرِهم بحياةٍ سلميّة، وكريمة، والتَنَعّمِ بأمانٍ غيرِ مُستَجدى، لا يستأذِنُ مُستَحِقّوهُ أحدا.

إنّ الأنشطةَ المختلفةَ التي تخوضُها هذه المنظّماتُ، تكشفُ عن كيانٍ شرّيرٍ يملكُ نوايا شيطانيّة، وقدراتٍ لا حصرَ لها، ويفتكُ، بلا هوادةٍ، بالشّعوبِ، وبشكلٍ نَجِسٍ، وينتجُ عن طغيانِهِ قَهرٌ، وتطويع، وضحايا، وتدمير، وخوفٌ دائم، واغتيالٌ سافرٌ للحقوق.

من حقِّ الجميع، ومن دون استثناءات، العيشُ بسلام، خارجَ إطارِ الهواجسِ، والرّعبِ، والشكِّ ببشاعةِ المصير، فالاتفاقيّاتُ الدولية، والمعاهداتُ، والوثائقُ، والشُّرَعُ، قد استهلَكَتِ الدّعوةَ الى المزيدِ من الجهدِ لإحلالِ السّلمِ بين بني البشر، وفي طليعتِها شرعةُ حقوقِ الإنسان.

لكنّ التّجاوبَ لم يكن على قَدْرِ المُرتَجى، فالحروبُ استمرّت، والتسلّطُ استشرى، والهيمنةُ بابُها واسع. من هنا، يُطرَحُ السؤال: هل استعصى مرضُ العدائيّةِ على كلِّ علاج؟

كاتب واستاذ جامعي لبناني

آخر الأخبار