كتب ـ أحمد الجارالله:
في الأزمات تعمل الدول على الاستقرار الاجتماعي لشعبها، عبر التخفيف من وطأة الأزمة، لأن غير ذلك يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار، والفوضى، وتكون التكلفة كبيرة على الأمن القومي، لا سيما في الحروب التي يستغل فيها العدو أي ثغرة كي ينفذ منها إلى ضعضعة الأمن الداخلي.
لهذا، عندما تجد الدولة، أي دولة نفسها، تعاني، مثلاً، من قلة استيراد المواد الغذائية، خصوصاً إذا كان وضعها مشابهاً لوضع دول الخليج، التي بحكم الجغرافيا محكومة بممر مائي وحيد، هو مضيق هرمز، وكذلك عدم وجود بنية تحتية للسكك الحديد تصلها في الدول الأخرى لا سيما أوروبا، وصعوبة النقل البري، فإنها تعمل على تعزيز الأمن الغذائي عبر استغلال مساحاتها المخصصة للزراعة، لأنها تساعد كثيراً على استتباب الوضع الاقتصادي بصورته المحدودة، بينما تعمل على تشجيع الصناعات التكاملية في قطاعات عدة، في سبيل توفير العمل لتشغيل الأيدي العاملة المحلية.
في الكويت، تاريخياً، ثمة الكثير من الأزمات التي مرت على البلاد، أكان في السنوات الأخيرة، وقبلها بالعقود الماضية، وحتى ما قبل اكتشاف النفط، وكانت كلها تعني الاستفادة منها في تعزيز الأمن الاجتماعي، والتكافلي، وهو ما جعل هذا الشعب يصمد، حتى في الحروب، والغزو العراقي، وكذلك كانت أزمة جائحة "كورونا" درساً وجب على الجميع الاستفادة منه، لا سيما في الأمن الغذائي والصناعي، ومجمل قطاع الخدمات.
إن هذا يبدأ من تسييل الأموال في أيدي الناس، للتخفيف عنهم، أكان في طلب البنك المزكري من البنوك التجارية وقف الاستقطاع الشهري للفوائد والاقساط، من أجل انعاش الاقتصاد المحلي، وكذلك العمل على إراحة القطاع الخاص الذي هو محرك العصب للشأن العام كله، ومصدر من مصادر الأمن الاجتماعي، لهذا يكون وقف الديون وخفضها، إذا لم يكن هناك مجال لوقفها كليا لسنوات عدة.
إن الأزمات مهما كانت قصيرة تترك آثارها لسنوات، ولدينا على صعيد المثال الغزو العراقي، وكذلك الأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة جائحة "كورونا"، وكلها تركت مفاعيل سلبية على الاقتصاد المحلي، لا يزال يعاني منها إلى اليوم، ولقد أضافت الحرب الأخيرة مصاعب جديدة.
لذا، على سبيل المثال، إن اطلاق مشاريع حيوية يساعد على خفض البطالة، طبقا للقاعدة المعروفة جيداً في اقتصاد الأزمات "الحفاظ على استقرار الأمن الاجتماعي بمنع الانهيار الاقتصادي، وتأمين الغذاء والدواء، والحد من التضخم لحماية الفئات الأكثر ضعفاً ومنع الاضطرابات، ويكون ذلك من خلال تشغيل اليد العاملة في جميع القطاعات، كذلك إقرار برامج التحويلات النقدية الطارئة، وتقديم الإعانات لدعم الأسر والشركات المتضررة".
ففي كل بيئة هناك رؤية تتعلق بالنموذج الاقتصادي للمجتمع، وعلى هذا الأساس عملت دول الخليج على تهيئة ظروف الصمود الاجتماعي، منذ تصاعدت التوترات في المنطقة، بل إنها استفادت من جائحة "كورونا"، وعملت على التخفيف عن شعوبها، عبر تسديد الديون عنهم، كما فعلت بعض الدول، كذلك تسهيل المشاريع الخاصة، بل بعضها أسست منظومة استثمارية ساعدت على امتصاص أزمة الحرب الأخيرة، وجلبت رؤوس أموال أجنبية إليها.
صحيح أن الحرب لم تنته، وربما تتصاعد أكثر، ما يفرض على الدولة التحرك، وفق الإمكانات الكبيرة المتاحة لها لتعزيز الأمن الوطني، في أشكاله كافة، بدءاً من تشجيع الأمن الزراعي لاربعة آلاف مزرعة موجودة في البلاد، مروراً بمشاريع تساعد على النقل البري من دون الجاحة إلى مضيق هرمز، كي لا تتحول أسيرة لهذا الممر المائي، وصولاً إلى تأمين احتياجات الناس الضرورية اليومية، بأقل التكاليف.
إن الدروس المستفادة من الماضي ضرورة كي تتخطى الدولة هذه المرحلة بأقل الخسائر، فالعدو لديه من الخبث الكثير كي يطيل الأزمة، ويستفيد من الأوضاع غير المستقرة لتحقيق أهدافه، ولقد رأينا الكثير من المشاهد المؤلمة التي تسبب بها هذا العدو الإيراني، أكان مباشرة، أو عبر أذرعه، ما يعني أن أفضل الطرق لتفويت الفرصة عليه بتمتين الجبهة الداخلية، والتماسك الخليجي.
إن ذلك يبدأ من سد الثغرات أمامه، ولدينا الكثير في مواجهته، إذا جرى تهيئة الساحة لذلك، خصوصا أن دول "مجلس التعاون" إلى اليوم تعمل كلها كجبهة واحدة، لكن ذلك لا يعني أن تترك الامور للصدف.