في صباح يوم رطب، دعانا الشوق وتركناه، وركبنا تاكسي برتغالي قديم، فجأة دخل الشاب، وهو شايل كيس قماش مكتوب عليها بخط يد: أنقذوا المزارع الفقير، وفيه صرة من صرر مولاي السلطان داخلها قهوة مغلفة، كبر راحت اليد، وعليها لزقة سعر بخمسة وعشرين دينارا.
وتحتها ورقة صغيرة مكتوب فيها: كيف تشم الحزن في فنجالك.قال الشايب وهو يقلب الكيس: وش ذا يابو الشباب، هذي قهوة ولا طابع بريدي نادر؟
قال الشاب، وهو لابس نظارة شمسية دائرية: يا حجي وش فهماك، هذي قهوة خاصة من مزرعة على ارتفاع 1800 متر فوق مستوى البحر، ويسقيها المزارع بدموعه.
قال المعاق: بدموعه، أجل طعمها بيكون مالح؟.
قال الشايب: يالصيده والـ 25 دينارا هذي دافعها للبن، ولا للمشاعر؟
ضحك الشاب، وطلع ميزان إلكتروني صغير من مخباه، وقال: يا حجي هذا علم، فلازم نوزن 18 غرام بالضبط، ولا الطعم ينهار.
قال الخبير: ينهار اسود، هو احنا بنبني عمارة، زمان كنا بنحط ثلاث ملاعق، ونصيبنا على الله، وكانت أحلى قهوة؟
مسك الشاب تليفونه، وقام يصور الكيس من سبع زوايا: يا جماعة اسكتوا، ابي أقدم محتوى لان المتابعين ناطرين رايكم بالطعم.
ضحكوا اهل الديوانية لين الدلة طاحت من يد القهوجي.
وعقب ما خلص تصوير قال: سادتي شيباني القهوة الخاصة، ما هي اطبخ واشرب، بل لها عدت خطوات.
قال الشايب: الله أكبر، القهوة صار لها بروتوكول؟
قال الشاب: وش على بالك صار لها طقوس، وكهنة، اول شي ندقها بالنجر مع التصوير، بخلفية موسيقية لأغنية صبو القهوة. والطقس الثاني صبها بطريقة حلزونية لمدة 3 دقايق و17 ثانية، وانتبهوا لوزادت ثانية وحدة تصير قهوة عادية، اما الطقس الثالث، فهو الصمت التأملي، تشرب وانت ساكت، وتغمض عيونك، وتماطق بلسانك تتطعم بحلاتها.
قال الخبير، وهو يهز راسه بعمق: صحيح أنا فاكر مرة شربتها وقعدت ساعة أفكر أنا مين وأنتم مين، وليه دفعت 4 دنانير؟
قال المعاق: وأنا مرة طلبتها بس سألوني 12 سؤال: تبيها مصفاة ولا غمر، على حرارة كم الماء، تبي حموضة ولا مرارة، تبيها من جبل ولا من وادي؟
قلت لهم: أبي اي شي...طردوني.
قال الرجل: المشكلة مو هنيه، المشكلة إنهم لغوا كلمة سادة، ووسط وحلوة. الحين لو قلت سادة يطالعونك كأنك قلت غالط عليهم.
قال الشايب، وهو يصب من دلته: اسمعوا يا عيالي، فناجيل القهوة ثلاث، فنجال الضيف، وفنجال الكيف، وفنجال السيف. وقهوتك يابو الشباب صارت ثلاث اثلاث، ثلث للتصوير، وثلث للميزان، وثلث تشرب وانت مغمض.
قال الشاب: بس يا عمي الشيخ هذه ثقافة.
قال الشايب: هذي سخافة ماهي ثقافة، الثقافة إنك تكرم ضيفك مو تعطيه كوب طول اصبعك، وتقول له: مزج بالطعم؟
الضحك وصل للرصيف المقابل، وفجأة جت رساله تنبيه للشاب تقول: لحق يا ولد وصلت دفعة جديدة الكيس 40 دينار. والكمية محدودة، وسبب الارتفاع: يا عله سعيد ومبارك، المزارع تزوج بنت جيرانهم.
انفجرت الديوانية ضحك قال الرجل: اللي يبي الكيف والراحة حياه الله على فنجال قهوة، ما تغير من 40 سنة عند عمي الشيخ.
قال المتمولس: الناس الاغبياء دايما يقولون لا، هل انت منهم، نعم ام لا؟
وفي هذي الاثناء رفع على مسامعنا الشيخ زغلول اذان الظهر وانفضت اللمة.
كاتب كويتي