الاثنين 13 يوليو 2026
40°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
السياسة حين تتغلب على منطق العنف
play icon
كل الآراء

السياسة حين تتغلب على منطق العنف

Add as Preferred Source on Google
Time
الأحد 12 يوليو 2026
عبدالنبي الشعلة
وقفة

في تصوري أن النظام الإيراني ارتكب واحداً من أكبر وأفدح أخطائه عندما أقدم، قبل أيام قليلة، على استهداف بعض السفن التي عبرت مضيق هرمز، من خلال الممر الملاحي المحاذي لساحل سلطنة عُمان.

ثم عاد مرة أخرى إلى سياسة الاعتداء والتهديد بإغلاق المضيق، مخالفاً بذلك روح مذكرة التفاهم، التي توصل إليها مع الولايات المتحدة بوساطة قطرية- باكستانية.

لقد أعاد هذا التصرف طرح تساؤلات مشروعة حول مدى استعداد النظام الإيراني للتعامل مع فرصة التسوية بمنطق جديد، بدل العودة إلى استخدام أمن الملاحة، وحرية مرور الطاقة في الخليج العربي، كوسيلة ضغط وابتزاز، لا تطال دول المنطقة وحدها، بل الاقتصاد العالمي بأكمله.

وكانت حكومات وشعوب دول الخليج العربية، مثلها مثل الكثير من دول العالم، تأمل أن تصمد هذه التسوية، وأن تفتح باباً جديداً لخفض التوتر، رغم ما أحاط بها من تحفظات وتساؤلات، حول ما اعتبره البعض مكاسب حصل عليها النظام الإيراني، بعد مواجهة عسكرية قاسية.

غير أن تأييد منطق التسوية لا يعني تجاهل الأخطاء، كما أن اختيار طريق السياسة لا يعني مكافأة السياسات التي تسببت في الأزمات. فنجاح أي اتفاق يعتمد على قدرة الأطراف على قراءة اللحظة التاريخية، والتصرف بمسؤولية.

فعندما اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى في نهاية شهر فبراير الماضي، بدا أن هناك من راهن على أن الضربات العسكرية المكثفة ستؤدي إلى انهيار سريع للنظام الإيراني.

لكن التاريخ أثبت أن حسابات الحروب تختلف عن حسابات السياسة، وأن الشعوب، مهما بلغ تذمرها من أوضاعها الداخلية، تميل غالباً إلى الالتفاف حول دولها عندما تشعر بوجود تهديد خارجي. فالأنظمة لا تسقط عادة بفعل الضغوط الخارجية وحدها، بل عندما تفقد من الداخل أسباب بقائها.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانتقال من المواجهة إلى التسوية. فقد رأى البعض في الاتفاق مكافأة للنظام الإيراني، بينما رآه آخرون، محاولة واقعية لمنع المنطقة من الانزلاق إلى مرحلة أكثر خطورة.

فإيران وصلت، بعد عقود من العقوبات، والعزلة، واستنزاف الموارد في مشاريع النفوذ الخارجي، إلى مرحلة صعبة اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً، وجاءت المواجهات العسكرية الأخيرة لتزيد حجم الضغوط، وتجعل استمرار التصعيد خطراً على إيران والمنطقة بأسرها.

وهنا تبرز أهمية السياسة؛ فليس كل اتفاق مع خصم يمر بمرحلة ضعف يعد مكافأة له، ففي أحيان كثيرة تكون التسوية وسيلة لمنع فوضى، تكون نتائجها أكثر خطورة من الحرب ذاتها.

ولعل التجربة الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى تقدم درساً مهماً؛ فقد فرضت "معاهدة فرساي" عام 1919 شروطاً قاسية على المانيا المهزومة، وتركت شعوراً عميقاً بالإهانة، استطاع أدولف هتلر لاحقاً استغلاله لبناء مشروع متطرف قاد العالم إلى حرب أكثر دماراً.

ولم يكن الدرس أن ألمانيا لم تكن مسؤولة عن نتائج الحرب، بل ان تحويل الهزيمة إلى إذلال دائم، قد يزرع بذور صراع جديد، بدل تأسيس سلام مستقر.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الاتفاق مع إيران؛ فالهدف ليس منح شرعية مجانية لأي طرف، بل إعطاء فرصة للانتقال من منطق المواجهة إلى منطق السياسة.

لكن هذه الفرصة تفرض على النظام الإيراني إثبات قدرته على التخلي عن أدوات التهديد والابتزاز، واحترام أمن جيرانه وحرية الملاحة وقواعد العلاقات الدولية.

إن التاريخ لا يذكر فقط من انتصر في الحروب، بل يذكر أيضاً من امتلك الحكمة لمنع اندلاع الحرب التالية. ويعلمنا كذلك أن الفرص التي تمنحها السياسة لا تبقى مفتوحة إلى الأبد إذا أسيء استخدامها.

ولذلك سيبقى الحكم النهائي على هذه التسوية مرهوناً بما ستكشفه الأيام المقبلة؛ فإما أن تتحول إلى نموذج لانتصار البراغماتية على الانتقام، أو إلى فرصة أخرى ضاعت لأن طرفاً لم يدرك أن السلام يحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة خوض الحروب.

وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً

آخر الأخبار