الثلاثاء 14 يوليو 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
تصريحات رنانة ... والواقع مرير
play icon
كل الآراء

تصريحات رنانة ... والواقع مرير

Add as Preferred Source on Google
Time
الاثنين 13 يوليو 2026
بسام فهد ثنيان الغانم

طالعتنا الصحف أخيراً بتصريحات بعض المسؤولين، المعنيين بالأسرة الكويتية، يزعمون انخفاض قضايا العنف الأسري، وأن الحكومة تمضي في تعديل القوانين التي تمس حياة المجتمع، ويشيرون إلى أن جرائم الاعتداء الجنسي، داخل الأسرة، أصبحت من الجرائم التي لا يجوز التنازل عنها، وكأن جل ما يؤرق عدالة الأسرة الكويتية هو هذه الجريمة فقط!

غاضين البصر عن بقية مشكلات الأسرة، وعلى رأسها قانون الأحوال الشخصية، وتداعياته، وفشل منظومة الأسرة بأكملها، بدءاً من المجلس الأعلى لشؤون الأسرة، مروراً بإدارة الاستشارات الأسرية، ومراكز إصلاح ذات البين، وانتهاءً بمراكز الرؤية.

فلا أحد يختلف على أهمية تشديد العقوبات على الجرائم الخطيرة داخل الأسرة، ولا على ضرورة حماية الضحايا، لكن هل تكفي التصريحات وحدها لإقناع الناس بأن العدالة الأسرية أصبحت أفضل؟

فإذا كان الحديث يدور عن نجاح قانون العنف الأسري، فمن الإنصاف النظر إلى ملف الأسرة باعتباره منظومة متكاملة، لا مجرد قانون واحد، أو مؤشر إحصائي واحد، فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد البلاغات، أو القضايا، إنما بمدى استقرار الأسرة، وانخفاض معدلات الطلاق، ونجاح مؤسسات الدولة في احتواء الخلافات قبل وصولها إلى القضاء.

فإذا كانت منظومة الإصلاح الأسري تحقق النجاح الذي يتحدث عنه المسؤولون، فلماذا لا تزال معدلات الطلاق مرتفعة، ولماذا تتزايد النزاعات الأسرية، وبخاصة الشكاوى الكيدية، وقضايا الأحداث، ولماذا تعج المحاكم بقضايا الحضانة والرؤية والنفقة والتنفيذ؟

والإجابة ببساطة تعود إلى سهولة تقديم الشكاوى، وفتح باب التشاكي على كل صغيرة وكبيرة.

ولا تزال إدارات المجلس الأعلى لشؤون الأسرة والاستشارات الأسرية، ومراكز إصلاح ذات البين والرؤية، والأحداث، وغيرها عاجزة عن أداء الأدوار التي أنشئت من أجلها، رغم ما تتحمله الدولة من تكاليف مالية كبيرة للصرف عليها.

ومن اللافت أيضاً أن التصريحات الأخيرة ركزت على انخفاض جرائم العنف الأسري، وربطت ذلك مباشرة بالقانون، وهي قراءة غير موضوعية، لأن أي تغير في الأرقام يجب أن يدرس في ضوء جميع العوامل المحيطة، ومنها الظروف الإقليمية والحرب الدائرة، وما سببته من ضغوط، وتأثر سير العمل في النيابة العامة خلال تلك الفترة، وتأثر العمل بها بسبب الدوام الجزئي، وعدم استقبال بلاغات، مما أثر على تسجيل القضايا، وسرعة التحقيقات، ولذلك فإن توجيه الانخفاض إلى القانون وحده يعد استنتاجاً متعجلاً.

فكم تابعنا خلال السنوات الماضية من تصريحات عن تطوير قانون الأحوال الشخصية، وتحديث منظومة الأسرة، وإعادة النظر في مراكز الرؤية، وتحقيق مصلحة الطفل، لكن النتيجة أن الشكاوى لا تزال كما هي، وما زالت الأسرة تعاني، بينما تمتلئ المحاكم، ووسائل التواصل بقصص الآباء والأمهات، والأطفال الذين يدفعون ثمن نظام يحتاج إلى مراجعة حقيقية.

فالمواطن اليوم لم يعد يبحث عن تصريحات مطمئنة، بل عن نتائج ملموسة، يريد من إدارة الاستشارات الأسرية، ومراكز إصلاح ذات البين، أن تؤدي دورها في خفض الطلاق، ومراكز رؤية تحقق التواصل الحقيقي بين الطفل ووالديه، وليس لقاءات شكلية تنتهي خلال ساعات قليلة، إن بدأت من الأساس!

يريد آليات تنفيذ فعالة تمنع تعطيل الأحكام، وتحقق المساواة، وتحفظ الحقوق بسرعة.

وإذا كانت الوزارة تؤكد انخفاض بعض مؤشرات العنف الأسري، فإن نجاح القانون لا يقاس بعدد البلاغات فقط، بل بمدى تحقق الاستقرار الأسري، فهل انخفضت أيضاً معدلات الطلاق وجرائم الأحداث؟

أم أن بعض الأزواج أصبحوا يتجنبون حتى التوجيه المشروع، خشية استغلال أي خلاف لتقديم بلاغ ضدهم! فإذا كان القانون خفض البلاغات، لكنه أضعف الدور التربوي لرب الأسرة، وزاد التفكك الأسري، وبذلك فإنه لم يحقق الغاية المنشودة.

لذا فإن إصلاح منظومة الأسرة لا يبدأ من تصريحات المسؤولين، إنما من قاعة المحكمة، وإدارة التنفيذ، ومن قدرة الدولة على تحويل النصوص القانونية إلى واقع ملموس، بانخفاض القضايا، وفاعلية التنفيذ.

فالأسرة لا تحتاج إلى شعارات، أو عناوين إعلامية، بقدر حاجتها إلى إصلاح مؤسسي حقيقي، يقوم على قياس النتائج وفق مؤشرات شاملة، ودراسات مستفيضة، فعندما يلمس المواطن هذا الإصلاح على أرض الواقع فلن تكون هناك حاجة إلى تصريحات صحافية لإقناعه، لأن الواقع سيكون خير شاهد على نجاح المنظومة.

آخر الأخبار