الثلاثاء 14 يوليو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
ليس كل ما ينكسر... يُرى
play icon
كل الآراء

ليس كل ما ينكسر... يُرى

Add as Preferred Source on Google
Time
الثلاثاء 14 يوليو 2026
فهد الرفاعي

في صباح مزدحم، خرج من منزله كعادته. صافح زملاءه، ابتسم لمن قابله، رد على هاتفه، وأنهى أعماله، وربما أضحك من حوله أيضا.

كان يبدو طبيعيا، لكن أحدا لم ير أنه كان يقاتل منذ الصباح حتى المساء، فقط ليبدو بخير. وهنا تبدأ الحكاية.

ليست كل الانكسارات ترى بالعين. فبعضها يسكن القلب، ويختبئ خلف ابتسامة، ويعيش سنوات دون أن يشعر به أحد.

كم من إنسان يحمل في داخله وجعل لا يعرف كيف يصفه؟

وكم من شخص يجلس بين الناس، لكنه يشعر أنه وحده؟

وكم من كلمة قالها أحدهم ثم نسيها، بينما بقيت سنوات في قلب من سمعها؟

لقد أصبح الإنسان اليوم يعيش ضغوطاً لم يعرفها من قبل.

ضغوط العمل، ومسؤوليات الأسرة، والخوف من المستقبل، وتسارع الحياة، والمقارنات التي تصنعها وسائل التواصل الاجتماعي، حتى أصبح كثيرون يستهلكون أعمارهم وهم يحاولون أن يثبتوا للناس أنهم بخير.

وفي علم النفس الاجتماعي، تشير الدراسات إلى أن الإنسان لا ينهكه الحدث وحده، بل شعوره أنه يواجهه وحده. فالدعم النفسي، والانتماء، والشعور بأن هناك من يفهمك، من أقوى العوامل التي تحمي الإنسان من الانهيار. ولهذا لا يموت كثير من الناس من شدة الألم، بل من شدة الوحدة.

ولذلك لم يكن الإسلام دين عبادات مجردة، بل دينا يبني الإنسان من الداخل، قال الله تعالى: "ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد".

ما أعظمها من آية، إنها تخبر الإنسان أن هناك من يعلم ما لم يستطع أن يقوله. يعلم خوفه، وحيرته، وتعبه، وحتى دمعته التي أخفاها عن أقرب الناس إليه.

وفي السنة النبوية، لم يكن النبي (صلى الله عليه وسلم) يسأل الناس عن أحوالهم مجاملة، بل رحمة، وكان يقول: "تبسمك في وجه أخيك صدقة".

وكأن الإسلام يريد أن يعلمنا أن العلاج لا يكون دائما دواء، بل قد يكون وجها بشوشا، وكلمة طيبة، واحتواء صادقا.

ولعل أجمل ما روي في هذا المعنى أن رجلاً جاء يشكو همومه، فلم يبدأ النبي (صلى الله عليه وسلم) بتعقيد الحلول، بل فتح له باب الأمل، وربطه بالله، وأعاد إليه الثقة بالحياة. لأن القلب إذا امتلأ يقينا، صغر في عينه كثير من الهموم.

وأذكر قصة طبيب نفسي سأل أحد مرضاه بعد سنوات من التعافي: "ما أكثر شيء ساعدك"؟

قال المريض:"لم يكن الدواء وحده، كان شخصاً واحداً قال لي في الوقت المناسب: أنا معك".

تلك الجملة القصيرة أنقذت روحا كانت على وشك الانطفاء. ولهذا، ربما نحن لا نحتاج أن نكثر الكلام بقدر ما نحتاج أن نحسن حضوره. أن نسأل عن بعضنا بصدق. أن نخفف أحكامنا.

أن نلتمس الأعذار.

فكل إنسان تقابله يحمل قصة لا تعرفها، ومعركة لا يراها أحد، وربما يكون أكثر الناس ابتساما، هو أكثرهم احتياجا لمن يربت على قلبه.

في النهاية، لن يتذكر الناس كم كان في حسابك من مال، ولا كم حققت من مناصب، لكنهم سيتذكرون كيف جعلتهم يشعرون.

هل كنت سببا في راحة قلب، أم سببا في كسره؟

إن الإنسانية لا تبدأ حين نملك القدرة على الكلام، بل حين نملك القدرة على الشعور بالآخرين، فليس كل ما ينكسر… يرى.

لكن كل قلب يجبر بخاطر صادق، يراه الله، ويكتب أثره في الدنيا قبل الآخرة.

كاتب في الشأن الأسري والنفسي

آخر الأخبار