ندوب لا تراها العيون
Add as Preferred Source on Googleليس كل جرحٍ يُرى، ولا كل وجعٍ يُسمع. هناك ندوبٌ تسكن القلوب، تُخفيها الابتسامات، وتسترها العزّة، لكنها تظلّ تنزف في صمتٍ لا يشي بالوجع، لا يلتئم أثرها، إلا برحمة الله وعدله.
ما أكثر ما يُخلف البشر وراءهم من آثارٍ لا يدرون ثِقلها!
كلمةٌ عابرة تُقال بغير صدق، فتُصدَّق، فتزرع في قلبٍ طاهرٍ رجاءً زائفاً لا يُطفئه إلا الخذلان. وعدٌ يُقطع خلسةً في لحظة عاطفة، ثم يُنكث بلا اكتراث، تاركاً وراءه نفساً مُحبطة فقدت ثقتها بالعهد وبالناس. ابتسامةٌ خادعة تفتح باب الأمل، ثم يُغلق فجأة، فيُسقط في النفس ظناً بأنها لم تكن كافية.
وسيسأل الله- لا ريب- عن كل ذلك.
سيسأل عن الكلمة التي خرجت بلا صدقٍ، لكنها أصابت قلباً بصدق. وسيسأل عن القلب الذي كنت سبب خوفه من الاقتراب من الناس، بعد أن تعلّم فيك أن الأمان أكذوبة، وأن الوعود سراب.
وسيسأل عن الدموع التي سالت في الخفاء، عن الليل الذي طاله الأرق، عن الروح التي اشتعلت وجدا ثم خمدت قهراً.
إنّ الله لا يغفل عن آلام القلوب، ولا عن وجع الأرواح التي ظُلمت تحت ستار المودّة وقناع العاطفة. فكل خذلانٍ مكتوب في صحيفةٍ لا تُمحى إلا بتوبةٍ صادقة، وكل وعدٍ كُسر سيُعرض على من لا يظلم مثقال ذرّة.
فيا من تمضي في حياتك وتظن أن الأيام تطوي كل شيء، تذكّر أن الأيام لا تمحو ما أثبتته السماء.
الكلمة التي جرحت، ستُسأل عنها.
والموقف الذي أبكى، سيُسأل عنه.
والقلب الذي كسرت جناحه ثم مضيت، سيُسأل عنك يوماً حين لا يكون بينكما إلا الحق.
كن أيّ شيء عدا أن تكون سبباً في ندبةٍ لا تندمل.
احذر أن تستهين بوجعٍ لم تتذوقه، أو بكاءٍ لم تره، أو قلبٍ لم يُجهر بكسوره احتراماً لك.
فالله وحده يعلم من ظلم ومن ظُلم، ومن وعد ومن نكث، ومن أخلص في ودّه ومضى مكسوراً.
ما أبهاك إن خرجت من دنياك، وقلب أحدهم يقول: "رحمه الله، ما جرحني يومًا".
وما أخوفك إن جاءك قلبٌ مكسورٌ بين يدي ربّه، يشهد أنك كنت السبب. فلنحرص أن نترك في القلوب أثراً يُرضي الله، لا ندبةً يسألنا عنها الله.
فما أجمل أن تكون في حياة أحدهم راحة لا وجعاً، وذكرى طيبة لا جرحاً مؤلماً.
فالأيام قد تُنسي، لكن الله لا ينسى.
كاتبة كويتية