الجمعة 17 يوليو 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
آراء طلابية

الرقابة القضائية على تحكيم عقود الدولة

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 16 يوليو 2026

يُعدّ‭ ‬موضوع‭ ‬تحكيم‭ ‬عقود‭ ‬الدولة‭ (‬خاصة‭ ‬عقود‭ ‬البناء‭ ‬والتشغيل‭ ‬والتحويل‭ ‬المعروفة‭ ‬بـ‭ ‬BOT‭) ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المسائل‭ ‬القانونية‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬الساحة‭ ‬التشريعية‭ ‬والقضائية‭ ‬الكويتية‭.‬

إذ‭ ‬يثور‭ ‬تساؤل‭ ‬نقدي‭ ‬وجوهري‭: ‬هل‭ ‬تملك‭ ‬الدولة،‭ ‬باعتبارها‭ ‬سلطة‭ ‬عامة،‭ ‬تفويض‭ ‬جهة‭ ‬تحكيمية‭ ‬خاصة‭ (‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أجنبية‭) ‬للفصل‭ ‬في‭ ‬منازعات‭ ‬تتعلق‭ ‬بأملاكها‭ ‬ومشاريعها‭ ‬التنموية‭ ‬الكبرى،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬سيادة‭ ‬القضاء‭ ‬الوطني‭ ‬الكويتي‭ ‬تظل‭ ‬حصناً‭ ‬منيعاً‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬التنازل‭ ‬عنه‭ ‬تحت‭ ‬ذريعة‭ ‬تشجيع‭ ‬الاستثمار؟

من‭ ‬الناحية‭ ‬النظرية‭ ‬والعملية،‭ ‬يفرض‭ ‬الواقع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المعاصر‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬تحديث‭ ‬منظومتها‭ ‬التشريعية‭ ‬لتشمل‭ ‬شرط‭ ‬التحكيم‭ ‬كضمانة‭ ‬أساسية‭ ‬لجذب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الأجنبية؛‭ ‬فالمستثمر‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يتوجس‭ ‬من‭ ‬القضاء‭ ‬الوطني‭ ‬للدولة‭ ‬الطرف‭ ‬في‭ ‬العقد،‭ ‬ويبحث‭ ‬عن‭ ‬قضاء‭ ‬محايد‭ ‬وسريع‭.‬

إلّا‭ ‬أن‭ ‬المشرّع‭ ‬الكويتي،‭ ‬ومن‭ ‬خلفه‭ ‬محكمة‭ ‬التمييز،‭ ‬تبنّيا‭ ‬موقفاً‭ ‬حذراً‭ ‬للغاية‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المتطلبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وبين‭ ‬حماية‭ ‬الأموال‭ ‬العامة‭ ‬والنظام‭ ‬العام‭ ‬للدولة‭.‬

وتتجلى‭ ‬النزعة‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬عند‭ ‬استقراء‭ ‬المادة‭ ‬الثانية‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬المناقصات‭ ‬العامة‭ ‬الكويتي،‭ ‬والتوجهات‭ ‬القضائية‭ ‬المستقرة،‭ ‬والتي‭ ‬تضع‭ ‬قيوداً‭ ‬صارمة‭ ‬على‭ ‬إدراج‭ ‬شرط‭ ‬التحكيم‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الإدارية‭ ‬وعقود‭ ‬أملاك‭ ‬الدولة،‭ ‬حيث‭ ‬تشترط‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬موافقة‭ ‬مسبقة‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬أو‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭. ‬هذا‭ ‬القيد‭ ‬التشريعي،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يحمي‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬مباغتة‭ ‬الأحكام‭ ‬التحكيمية‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الخزانة‭ ‬العامة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يمثل‭ -‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬نقدية‭- ‬عائقاً‭ ‬بيروقراطياً‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬مرونة‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬إبرام‭ ‬صفقات‭ ‬استثمارية‭ ‬ضخمة‭ ‬وسريعة‭.‬

علاوة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الرقابة‭ ‬التي‭ ‬يبسطها‭ ‬القضاء‭ ‬الكويتي‭ ‬عبر‭"‬دعوى‭ ‬بطلان‭ ‬حكم‭ ‬المحكمين‭"‬،‭ ‬تشكّل‭ ‬أداة‭ ‬فاعلة‭ ‬لإعادة‭ ‬تقييم‭ ‬مخرجات‭ ‬التحكيم‭. ‬فالقاضي‭ ‬الكويتي‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬موقف‭ ‬المتفرج،‭ ‬بل‭ ‬يملك‭ ‬سلطة‭ ‬نزع‭ ‬الصفة‭ ‬التنفيذية‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬حكم‭ ‬تحكيم‭ ‬إذا‭ ‬شابه‭ ‬بطلان‭ ‬في‭ ‬الإجراءات،‭ ‬أو‭ ‬خالف‭ ‬النظام‭ ‬العام‭ ‬الكويتي،‭ ‬وهو‭ ‬مفهوم‭ ‬مرن‭ ‬يتسع‭ ‬ليشمل‭ ‬القواعد‭ ‬الأساسية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬والعدالة‭ ‬في‭ ‬الدولة‭.‬

تأسيساً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬نخلص‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬المقاربة‭ ‬الكويتية‭ ‬للتحكيم‭ ‬في‭ ‬عقود‭ ‬الدولة‭ ‬ليست‭ ‬انغلاقاً‭ ‬تاماً‭ ‬ولا‭ ‬انفتاحاً‭ ‬مطلقاً،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬منطقة‭ ‬توازن‭ ‬دقيقة‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬التوجه‭ ‬الحديث‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تخفيف‭ ‬القيود‭ ‬الإجرائية‭ ‬لمنح‭ ‬عقود‭ ‬الاستثمار‭ ‬مرونة‭ ‬أكبر،‭ ‬فإن‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬سلطة‭ ‬القضاء‭ ‬الوطني‭ ‬كمرجعية‭ ‬أخيرة‭ ‬صمّام‭ ‬أمان‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنه‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬المساس‭ ‬بسيادة‭ ‬الدولة‭ ‬ومقدراتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬العدالة‭ ‬الخاصة‭.‬

سعود‭ ‬مطر‭ ‬الزعبي

كلية‭ ‬دراسات‭ ‬التجارية‭ - ‬تخصص‭ ‬القانون

آخر الأخبار