الوقيان: البيئة القروية تتلاشى ويجب حفظ بقيتها
Add as Preferred Source on Googleاختتمت الجمعية الكويتية للتراث موسمها الثقافي، بلقاء عنوانه "الريف الكويتي... ذاكرة تتلاشى: الجهراء نموذجًا"، قدمه الأديب د. خليفة الوقيان، وأداره عضو مجلس الإدارة صالح المسباح، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي والتراثي.
واستعرض المسباح في تقديمه جانبا من المسيرة الأدبية والفكرية للوقيان، وحول موضوع المحاضرة عن الريف أوضح أن الوقيان لديه وجهة نظر يريد أن يستعرضها.
من جانبه قال الوقيان "تمتاز الكويت بوجود ثلاث بيئات فيها، البيئة البحرية، والبيئة الصحراوية، والبيئة القروية، فالبيئة البحرية خلقت مهنة الغوص لاستخراج اللؤلؤ، ومهنة السفر لنقل البضائع... وأمدت البيئة الصحراوية المدينة والقرى بمنتجاتها من اللحوم والألبان، ومشتقاتها وكذلك الصوف والجلود.
وكانت البيئة القروية مصدراً للغذاء بمنتجاتها الزراعية الكثيرة للإنسان وفي مقدمتها القمح ثم الخضراوات... يذكر الشيخ عبد العزيز الرشيد في كتابه "تاريخ الكويت" الصادر في العام 1926م صادرات الكويت ومنها " اللؤلؤ، والدهن، والصوف، وجلد، والبهم، والثعلب، والبقر، وفرو الغنم، والطماطم".
وأشار الوقيان بقوله: "البيئة القروية أهملت إهمالاً شديداً حتى تلاشت، ولم يعد لدينا سوى جيوب بسيطة، أغفلتها أو أفلتت من يد الإهمال والتدمير ومن هذه الجيوب مزارع الجهراء، لحسن الحظ وقعت بين البيوت، ولهذا المنتفعون من الاستلاء على أملاك الدولة بأبخس الأثمان لم يشاهدوها في ذلك الوقت وبقيت، وأدركت هذا الشيء قبل ثلاثين سنة فكنت أحمل هم الحفاظ على القرية الكويتية أو على نموذج واحد على الأقل من القرية حتى نذكر أبناءنا أن آبائهم عملوا ووفروا أشياء كثيرة جدا، ومن المنتجات التي كانت تنتجها المناطق الزراعية الفنطاس، والفحيحيل، والشعيبة، وبوحليفة، والمنقف من الجنوب ، والجهراء من الشمال الخضروات حتى القمح يزرع فيها".
وأوضح أن الجيوب التي أفلتت من يد التدمير "مزارع الجهراء"، واستعاد الوقيان ذكرياته قائلاً إن أسرته كانت تقضي هناك نحو ثلاثة أشهر كل عام، رغم أنهم لم يكونوا يمتلكون مزرعة، بل منزلًا فقط، شأنهم شأن كثير من الأسر الكويتية التي اعتادت قضاء فترة الإجازة الربيعية في الجهراء، فيما يطيل آخرون فترة إقامتهم.
وأضاف أن تلك الذكريات بقيت عالقة في وجدانه، ولا سيما مشاهد المزارع التي كان يستيقظ فيها على صوت مكائن الري.
وأشار إلى أن هذه الذكريات دفعته لاحقًا إلى زيارة المزارع مجددًا ليتأكد مما تبقى منها، معربًا عن سعادته عندما وجد عددًا منها لا يزال قائمًا كما كان في الماضي، بما تضمه من طرق طينية ومبانٍ وغرف صغيرة كان المزارعون يستريحون فيها، مؤكداً أنها تمثل نموذجا متكاملا لبيئة قروية كويتية أصيلة، لا تحتاج سوى إلى العناية والترميم والحفاظ عليها. وأشار د. الوقيان إلى أن آبار الجهراء " مميزة " كما وصفها، وتحمل بين أحجارها ملامح التاريخ، إذ طويت بطريقة تقليدية توحي بقدمها وإن الأحجار مجلوبة من أماكن أخرى كمرتفعات المطلاع وتوارثها عبر الأجيال، مضيفاً أنه وثق هذه الآبار بالتصوير الفوتوغرافي والفيديو، معلقاً "إذ كنت على ثقة بأن المسؤولين سوف يشعرون بالسعادة حين يشاهدونها".
وأوضح الوقيان أنه بدأ منذ عام 1998 مخاطبة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، مقترحًا المحافظة على مزارع الجهراء وتحويلها إلى "متحف زراعي حي" بعد إعادة تأهيلها، لتكون مزارا ثقافيا وسياحيا للأجيال القادمة. وأضاف أنه أعاد تقديم المقترح عام 2000، إلا أن المشروع تعثر بسبب الإجراءات البيروقراطية، وأشار إلى أنه كان يخشى إزالة المزارع ضمن مشروع المنتزه القومي في الجهراء،وذكر د. الوقيان "أنه في العام 2016 التقيت برفقة د. سلطان الدويش ود. خلف الخطيمي بالفريق فهد الأمير المحافظ الأسبق للجهراء، وقدمت له صورة عن المذكرة. وقد قام الفريق فهد الأمير بجهد كبير يفوق ما قامت به كل الجهات الحكومية المعنية، ولكن قبل نحو عام سمعت أنه تم تحويل تبعية المنتزه القومي لمدينة الجهراء إلى بلدية الكويت".
واستعرض د. الوقيان خلال اللقاء ملفا مصورا وثّق فيه مزارع الجهراء، تضمّن عدداً من الصور التي رصدت تفاصيل البيئة الزراعية، بما فيها بساتين النخيل، والآبار التقليدية المطوية بالحجارة، وقنوات الري، والطرق الطينية، إلى جانب الحقول الزراعية التي تعكس ملامح القرية، مؤكدًا أن هذه الصور تمثل توثيقًا بصريًا مهمًا لذاكرة زراعية تستحق الحفظ والصون، موضحًا أن الملف يضم صورًا قديمة وأخرى حديثة توثق مزارع الجهراء عبر مراحل زمنية مختلفة، كما وثق أسماء أصحاب عدد من تلك المزارع، التي تعود إلى عائلات الأمير، والهدة، ومطيران الحبشي، وفريح مهوس الفريح، والعيار. واختتم د. الوقيان محاضرته بدعوة إلى تضافر الجهود للحفاظ على ما تبقى من الريف الكويتي، قائلاً: "أتمنى فزعتكم للحفاظ على البقية الباقية مما يُسمى بالريف الكويتي، أو القرية الكويتية، بعد أن اندثرت معظم معالمها، ولم يبقَ منها سوى هذا النموذج.