السبت 18 يوليو 2026
39°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
لماذا تنتقل الدول من القواعد العالمية للنماذج الإقليمية؟
play icon
كل الآراء

لماذا تنتقل الدول من القواعد العالمية للنماذج الإقليمية؟

Add as Preferred Source on Google
Time
السبت 18 يوليو 2026
ياسمين الرفاعي

لم تعد المنافسة، في عصر الذكاء الاصطناعي، تدور حول سرعة تبني التكنولوجيا فقط، بل حول القدرة على التحكم في مفاصلها الستراتيجية.

فبعد سنوات من الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيقود إلى عالم رقمي بلا حدود، بدأت الحكومات تعيد صياغة أولوياتها، انطلاقاً من سؤال أعمق: من يملك القدرة على اتخاذ القرار، عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من الأمن القومي؟

تلك المرحلة أصبحت خلفنا اليوم. ليس لأن العولمة فشلت، بل لأن الحكومات أدركت حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها: الاعتماد الرقمي المفرط يمثل انكشافاً ستراتيجياً.

بعد أكثر من خمسة عشر عاماً من العمل مع حكومات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، أعتقد أننا ندخل مرحلة جديدة جذرياً. لم تعد الحكومات تسأل: كيف نتبنى الذكاء الاصطناعي، فقط بل: من يسيطر عليه، أين تُخزَّن بياناتنا، وهل ستصمد شراكاتنا عند الاختبار الحقيقي؟

هذه ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة سيادية.

الذكاء الاصطناعي لا يعمل في فراغ سياسي، بل يتأثر بالأنظمة القانونية، والأولويات الاقتصادية، والقيم المجتمعية التي تختلف من دولة إلى أخرى. ولهذا لا يمكن الحديث عن نموذج عالمي موحد، لأن الواقع الجيوسياسي نفسه ليس موحداً.

ما نشهده اليوم هو صعود "السيادة الإقليمية للذكاء الاصطناعي"، حيث تتخذ الحكومات قراراتها استناداً إلى أولوياتها الخاصة. بعض الدول تركز على الاستقلال التكنولوجي، وأخرى على تحالفات موثوقة، وأخرى على تسريع الابتكار، لكن الأسئلة الستراتيجية تبقى واحدة: من يسيطر على بياناتنا، ومن يوفر القدرات الحاسوبية التي تشغّل أنظمتنا؟

وهنا يبرز أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً حول هذا الملف. السيادة لا تعني العزلة.

أقوى منظومات المستقبل، لن تكون الأكثر استقلالا عن العالم، بل تلك التي تفهم اعتمادها على الآخرين، وتبني شراكاتها بوعي. الاستقلالية الستراتيجية لا تعني امتلاك كل شيء، بل الاحتفاظ بحرية الاختيار.

وتتمتع دول الخليج بموقع فريد لقيادة هذه المرحلة، بفضل رؤاها الوطنية طويلة المدى، وقدراتها الاستثمارية وموقعها الجغرافي. غير أن استثمار هذا الموقع يتطلب شرطاً واحداً: بناء منظومات موثوقة توازن بين الانفتاح والمصلحة الوطنية، لا الانغلاق على الذات.

كل يوم يمر دون إجابة واضحة عن سؤال: من يحكم الذكاء الاصطناعي الخاص بك؟ هو يوم تُصاغ فيه تلك الإجابة من أطراف أخرى.

الدول التي ستنجح لن تكون تلك التي تبني أعلى الجدران، بل تلك التي تطور أقوى القدرات. فالسيادة لم تعد سيادة أرض. أصبحت سيادة قرار.

مهندسة وكاتبة

آخر الأخبار