بوضوح
قوة الأوطان في ما تمتلكه من موارد، والكيفية التي يدير بها أبناؤها تلك الموارد، فالثروات قد تُمنح لكثير من الدول، أما حسن إدارتها فهو ثمرة وعيٍ، وانضباط، ومسؤولية، وهي القيم التي تُصنع بها الحضارات، وتُصان بها المكتسبات.
وفي هذه الأيام التي تشهد فيها الكويت ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة، وما يصاحبه من زيادة في الأحمال الكهربائية واستهلاك المياه، لهذا تتجدد الحاجة إلى استحضار معنى وطني عميق، وهو أن المحافظة على موارد الدولة ليست مسؤولية جهة بعينها، إنما هي مسؤولية مجتمع بأسره.
لقد تعلمنا في المؤسسة الأمنية أن الانضباط ليس مجرد التزام بالأوامر والتعليمات، إنما هو أسلوب حياة، فالضابط - مثلاً - لا ينتظر من يراقبه حتى يؤدي واجبه، لأنه يدرك أن الرقابة الحقيقية تنبع من الضمير، قبل الأنظمة، وهذه القيمة ذاتها هي ما يحتاجه مجتمعنا، اليوم، في تعامله مع الطاقة والمياه، وسائر الموارد العامة.
إن إطفاء مصباح لا حاجة إليه، أو ضبط جهاز التكييف على درجة مناسبة، أو تأجيل تشغيل بعض الأجهزة خارج ساعات الذروة، قد تبدو تصرفات بسيطة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تترجم وعياً وطنياً راقياً، فالأوطان لا تُستنزف بالقرارات الكبرى وحدها، بل قد تُرهقها أيضاً آلاف الممارسات الصغيرة، إذا غاب عنها الشعور بالمسؤولية.
من هنا، فإن مفهوم الأمن لم يعد مقتصراً على حماية الحدود، أو حفظ النظام العام، بل اتسع ليشمل أمن الموارد، وأمن الطاقة، وأمن البنية التحتية، وهي جميعها ركائز لاستقرار الدولة واستدامة التنمية، وكل مواطن يسهم في ترشيد الاستهلاك إنما يشارك، بطريقته، في تعزيز هذا الأمن الوطني.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه للأجيال القادمة ليس وفرة الموارد فقط، بل ثقافة المحافظة عليها، فالموارد قد تتغير، أما السلوك المسؤول فيبقى إرثاً تتناقله الأجيال، ويغدو جزءاً من هوية المجتمع.
ومن هذا المنطلق، رسالتي إلى المتقاعدين الذين بدأوا مرحلة جديدة، عنوانها نقل قيم الانضباط والالتزام إلى المجتمع. فالذي يحمل مسؤولية الوطن في الميدان، يواصل اليوم أداء رسالته من خلال نشر الوعي، وترسيخ القدوة، وتعزيز ثقافة المسؤولية المجتمعية.
ولعل الرسالة الأبلغ في هذه المرحلة أن ندرك، جميعاً، أن خطوات بسيطة تصنع فرقاً كبيراً. فكل مصباح يُطفأ في وقته، وكل جهاز يُستخدم باعتدال، وكل لتر ماء يُحافظ عليه، هو إسهام صادق في حماية مقدرات وطننا العزيز.
فالأمن أمانة، والموارد أمانة، والوطن أمانة. وإذا كانت الأمانة قد جمعتنا بالأمس في ميادين الخدمة، فإنها تجمعنا اليوم في ميادين الوعي، لأن الكويت تستحق منا أن نحميها، لا بقوة السلاح وحدها، بل أيضاً بقوة السلوك، وصدق الانتماء، وحكمة التصرف.