قلنا أمس إن الخطأ الكبير الذي ارتكب مع النظام الإيراني، كان تكرراً للخطأ مع صدام حسين الذي قتل آلاف العراقيين سعياً إلى بسط سلطته بعد تحرير الكويت من غزو جيشه، وهذه كانت جريمة أدت فيها المصالح السياسية والاقتصادية للدول الدور الكبير.
إن إيران حالياً تسعى إلى تثبيت نظامها، ليس فقط عبر الاعتداءات على الجيران وتهديد السلم الدولي، بل أيضاً من خلال قمعها المعارضة السلمية في الداخل، وهي بالمناسبة كبيرة، لديها قوة معترف بها دولياً، ليس فقط "مجاهدي خلق"، بل الفصائل الكردية، والبلوشية، والعربية أيضاً.
إن المطلع على الخريطة الديموغرافية للدولة الإيرانية حالياً يجد التنوع الكبير بين الأعراق، وهي غير منسجمة بين بعضها بعضاً، وثمة الكثير من الملاحظات لدى نخبها على النظام الحالي، وهناك من خاض معارك مسلحة عدة مع قوات الـ"باسيج" أو "الحرس الثوري"، في مناطق بلوشستان أو الأحواز العربية، وكذلك الكردية.
منذ عقود، هناك مطالبات بتقرير المصير، من الأكراد والبلوش، وكذلك العرب الذين كانت لهم دولة استولت عليها إيران في العام 1925 بالخديعة، واعتقال أميرها، ومنذ ذلك التاريخ لا يزال أهلها إلى اليوم يعملون على تحرير بلادهم.
في المقابل، إن إقليم بلوشستان الذي احتل في العام 1928، بالقوة، لا يزال أهله كذلك يعملون على تقرير مصيرهم، وتحرير أرضهم من الاحتلال الفارسي، ولهذا السبب شكلوا فصائل مسلحة، وكذلك الأكراد الذين هم ضحايا التقسيم الجغرافي الظالم بعد الحرب العالمية الأولى، خصوصاً في إيران.
لذا، حين تكون نسبة 50 في المئة الأعراق غير الفارسية تسعى إلى الاستقلال الذاتي، فمن الظلم تركها تحت رحمة نظام فاش، يعمل بغطاء مظلومية تاريخية يستمد منها علة وجوده، ويسعى من خلالها إلى قمع الأصوات المطالبة بالتحرر والعيش بكرامة، ولهذا فإن الفصائل المعارضة، في الداخل أو الخارج، والتي أصبحت لها قوة سياسية كبيرة، وسمعة دولية جيدة، لديها القدرة على تفكيك هذا النظام الإرهابي، وجعل الدولة طبيعية، وقادرة على العمل مع المحيط والعالم بما يخدم السلم الدولي، ويبعد الاقتصاد العالمي عن الهزات التي تسبب بها النظام الحالي.
على هذا الأساس، من الطبيعي أن يستمع العالم إلى الأصوات البلوشية والكردية والعربية والأذارية، واللور، والبختارية، وغيرها من الأعراق المطالبة بالخلاص من براثن النظام الحالي، والخروج من العباءة الفارسية، لا سيما أن ثقافتها وإرثها الاجتماعي والسياسي، حتى الاقتصادي، بعيد كل البعد عن الثقافة الفارسية التي لا تزال ترتبط بإرثها المضاد لحركة التاريخ، وأوهام الإمبراطورية التي بادت منذ 1350 عاماً.
إن الكذب في بعض مفاصل التاريخ لا يمكن أن يؤسس لدولة طبيعية، خصوصاً إذا كانت تقوم على خزعبلات غير موجودة في ثقافات الأمم، فالأساطير هي حكايات للتسلية، وليست قواعد لتأسيس مشروع دولة، لأن الحقائق تنسفها من أساسها.
من هنا، إذا كان المجتمع الدولي يريد فعلاً الخلاص من إرهاب النظام الإيراني الحالي، عليه ليس فقط دعم تلك الفصائل، بل أيضاً تهيئة الظروف الموضوعية للمعارضات الإيرانية لتقرير مصيرها، وفي ظل الضعف الذي يعانيه النظام حالياً، فهذه فرصة تاريخية لن تسنح مرة ثانية، كي لا تتكرر الأخطاء الستراتيجية التي جعلت هتلر يشعل نيران الحرب العالمية، ونظام صدام يعمل على إبادة الأكراد وأهل الجنوب العراقي، حين غض التحالف الدولي الطرف عن قمعه للانتفاضات التي جرت في العراق.