وقفة
يطرح كثير من القراء والمتابعين لمقالاتي سؤالاً مشروعاً: إذا كان النظام الإيراني يعلن أن خصومته مع الولايات المتحدة، فلماذا يتركز الضغط، العسكري والسياسي، على دول الخليج العربية، ولماذا لا يمتد إلى دول أخرى تستضيف قوات أميركية أو ترتبط بتحالفات أمنية مع واشنطن؟
إنه سؤال لا يهدف إلى إدانة أحد، بل إلى تفسير مفارقة واضحة؛ فدول الخليج، رغم حرصها على الحوار، وتجنب التصعيد، هي التي تتحمل النصيب الأكبر من تداعيات هذا الصراع، عبر تهديد الملاحة، وأمن الطاقة، والهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، ومحاولات الابتزاز السياسي.
ومن هنا تظل العلاقة بين دول الخليج العربية وإيران، وما تشهده المنطقة من توتر، قضية تستحق المزيد من القراءة. فبعد توقف المواجهات العسكرية التي اندلعت، في نهاية شهر فبراير الماضي، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، بدا أن المنطقة تتجه إلى انفراج نسبي مع بدء مباحثات بوساطة قطرية ـ باكستانية، غير أن هذا التفاؤل تبدد سريعاً بعد تعثر التفاهمات وتجدد الاعتداءات على الملاحة في مضيق هرمز والتهديد بإغلاقه.
وقد سبق أن حذرنا من أن النظام الإيراني قد يعود إلى أسلوب كسب الوقت والمراوغة وإعادة التفاوض ثم التراجع عن الالتزامات لتحسين شروطه. وربما نجح هذا الأسلوب في مراحل سابقة، إلا أن الظروف، الإقليمية والدولية، اليوم تجعل كلفته، السياسية والاقتصادية، أعلى بكثير مما كانت عليه.
غير أن جوهر القضية لا يكمن في المفاوضات وحدها، بل في محاولة استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط سياسي. فهذا المضيق ليس مجرد ممر يقع على حدود إيران (وليس ضمن حدودها)، إنما أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، تعبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز المنقولة بحراً. ولذلك فإن أي تهديد لحرية الملاحة فيه لا يُعد خلافاً إقليمياً محدوداً، بل مساساً بمصالح المجتمع الدولي بأسره.
وهنا تكمن الحقيقة الجيوسياسية التي كثيراً ما يجري تجاهلها. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أصبحت حرية الملاحة البحرية إحدى ركائز النظام الاقتصادي الدولي، وجاء "مبدأ كارتر" عام 1980 ليؤكد أن أي محاولة لتهديد تدفق الطاقة من الخليج تمس المصالح الحيوية للولايات المتحدة.
ولم يعد الأمر مرتبطاً بالنفط وحده، بل بموقع الخليج في شبكة التجارة العالمية الممتدة من مضيق هرمز إلى باب المندب، ثم قناة السويس، وهو ما يكتسب أهمية إضافية في ظل التنافس الاقتصادي المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين.
وفي هذا السياق ينبغي التمييز بين امتلاك القوة وكيفية استخدامها. فمن حق أي دولة أن تمتلك ما يحمي أمنها ومصالحها، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القوة إلى وسيلة لفرض الإرادة على الآخرين، أو التحكم في حقوقهم ومصالحهم. عندها لا يصبح الخلاف مع دولة بعينها، بل مع المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، وفي مقدمتها احترام سيادة الدول، وحرية الملاحة، والالتزام بالقانون الدولي.
كما يقدم التاريخ درساً مهماً في هذا المجال. فإيران دولة ذات حضارة عريقة، لكن الوقائع التاريخية تؤكد أن القوة العسكرية وحدها لم تنجح في ترسيخ هيمنة إقليمية مستقرة ودائمة؛ فقد سقطت الإمبراطورية الأخمينية الفارسية، وانهارت الدولة الساسانية، ولم تتمكن الدولة الصفوية من فرض تفوقها على منافستها العثمانية، كما انتهت الحرب العراقية - الإيرانية دون أن تحقق إيران أهدافاً ستراتيجية حاسمة.
وليس المقصود من استحضار هذه الوقائع التقليل من شأن إيران، بل التذكير بأن النفوذ المستدام يصنعه الاقتصاد القوي، والاستقرار الداخلي، والعلاقات المتوازنة مع الجوار، وبناء الثقة، أكثر مما يصنعه التهديد أو استخدام القوة.
إن شعوب الخليج لا تبحث عن الصدام مع إيران، بل عن الاستقرار وحسن الجوار، غير أن هذا الحرص لا ينبغي أن يُفسر على أنه ضعف، أو قبول بسياسات الابتزاز. فالجغرافيا السياسية للمنطقة ليست قابلة لإعادة الرسم بالقوة، ومضيق هرمز ليس ممراً إيرانياً، بل ممر دولي، وأمنه مسؤولية جماعية، وحرية الملاحة فيه مصلحة عالمية لا يمكن أن تكون محل مساومة أو ابتزاز.
وزير العمل والتنمية الاجتماعية البحريني سابقاً