الأربعاء 22 يوليو 2026
38°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
مجارف الذهب ومجارف الفساد
play icon
كل الآراء

مجارف الذهب ومجارف الفساد

Add as Preferred Source on Google
Time
الأربعاء 22 يوليو 2026
د.عائد الهلالي

حين ضربت حمى الذهب الولايات المتحدة الأميركية عام 1848، خرج مئات الآلاف من الناس يحملون مجارفهم ومعاولهم بحثاً عن حلم الثراء.

كانوا ينامون في العراء، ويقطعون الصحارى والجبال، وقد يعود أحدهم بقطعة ذهب تغير حياته، أو يعود خالي الوفاض، بعد أن أفنى عمره في المطاردة. لكن الذهب هناك كان مدفوناً في الأرض، ولم يكن ملكاً لأحد قبل أن يعثر عليه صاحبه، بجهده وعرقه ومغامرته.

أما في العراق، فيبدو أننا نعيش حمى أخرى، لا تقل ضراوة، لكنها أكثر قبحاً وإيلاماً. إنها حمى الاستيلاء على المال العام، حيث لم تعد المجارف تتجه نحو بطون الأودية والجبال، بل نحو خزائن الدولة ومشاريعها، وعقودها وموازناتها.

هنا لا يبحث البعض عن الذهب المدفون في الأرض، بل عن الذهب المستخرج من جيوب الفقراء، وأحلام الشباب، ومستقبل الأجيال القادمة.

لقد أنتجت حمى الذهب الأميركية مدناً وطرقات، وأسواقاً ومؤسسات، وأسهمت، بكل ما رافقها من تجاوزات ومآسٍ، في بناء اقتصاد متنامٍ. أما حمى الفساد في العراق فقد أنتجت مدناً من الخراب، وطرقات متآكلة، ومؤسسات منهكة، ومستشفيات تفتقر إلى أبسط مقومات الخدمة، ومدارس تحتاج إلى من ينقذها، قبل أن تنهار فوق رؤوس تلامذتها.

في الولايات المتحدة كان المنقب عن الذهب يخاطر بماله وحياته ليكسب ثروة، قد تكون من نصيبه أو لا تكون. أما في العراق فإن بعض الفاسدين لا يخاطرون إلا بمزيد من الوقاحة، وهم يعلمون أن القانون قد يغفو، وأن المحاسبة قد تتأخر، وأن الشعارات قادرة أحياناً على إخفاء أكبر عمليات السطو على المال العام.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت حمى الذهب قد دفعت الناس إلى حمل المجارف بحثاً عن كنوز الأرض، فهل يأتي يوم يحمل فيه العراقيون مجارفهم ويتوجهون إلى مزارع وقصور الساسة بحثاً عن أموالهم المنهوبة، وهل سنرى مواطناً بسيطاً يقول: إن ما يبحث عنه ليس سوى حصته المسروقة من وطن، كان يفترض أن يكون غنياً بأهله قبل أن يكون غنياً بثرواته؟

إن هذا السؤال ليس دعوة إلى الفوضى، ولا تحريضاً على انتهاك القانون، إنما هو صورة رمزية تعكس حجم الغضب الشعبي المتراكم.

فعندما يشعر المواطن أن حقوقه دُفنت في مكان ما، فإنه يبدأ بالتساؤل عن المكان الذي ذهبت إليه تلك الحقوق. وعندما يسمع عن مليارات الدولارات التي تبخرت، وعن مشاريع لم ترَ النور، وعن قصور، ومزارع، وثروات تضخمت بصورة يصعب تفسيرها، فإنه يتساءل بمرارة: أين ذهب ذهب العراق؟

إن أخطر ما يصنعه الفساد ليس ضياع الأموال، بل ضياع الثقة بين المواطن والدولة. فالدولة لا تنهار يوم تفرغ خزائنها فقط، إنما يوم يفقد الناس إيمانهم بأن القانون قادر على استعادة حقوقهم. عندها تصبح المجرفة التي كانت أداة للبناء رمزاً للاحتجاج، ويصبح السؤال عن الأموال المنهوبة أكثر حضوراً من السؤال عن مستقبل الوطن.

لقد علمتنا تجارب الأمم أن الشعوب لا تبحث عن الذهب حين تكون العدالة حاضرة، إنما تبحث عن العدالة حين يختفي الذهب. والعراقيون لا يريدون التنقيب في مزارع أحد، ولا قصوره، فهم لم يحلموا يوماً أن يكونوا صائدي كنوز، بل مواطنين يعيشون بكرامة في دولة تحمي ثرواتهم وتحاسب من يعتدي عليها.

إن الطريق إلى استعادة ذهب العراق لا يمر عبر المجارف والمعاول، بل عبر قضاء قوي مستقل مدعوم من الجميع، ومؤسسات رقابية قوية، وإرادة سياسية، لا تعرف المساومة مع الفاسدين، ووعي شعبي لا يسمح بتحويل اللصوص إلى أبطال. فالأوطان لا تُسترد بالحفر في الأرض، وإنما بالحفر عميقاً في ملفات الفساد حتى يظهر الحق إلى النور.

كاتب عراقي

آخر الأخبار