من أكثر المواضيع والظواهر الصامتة، والمخفية عن المعالجة هي الطلاق الصامت، ويعد هو الأكثر نسبة من الطلاق البائن. وهو عبارة عن انفصال، نفسي وجسدي، بين الزوجين يقطنون في سكن واحد تحت مظلة الزواج البائن، لكنهما منفصلين، نفسيا وعاطفيا، عن بعضهما بغرف منفصلة، وذلك من اجل الوقاية من نظرة المجتمع، وانصياعا للمعايير الاجتماعية.
هذا النوع من الطلاق لا يوفر استقراراً، بل اهمالاً تاماً للتنشئة الصالحة للأبناء، وينتج من ورائه المشكلات بأنواعها، كالإدمان، والانحرافات السلوكية وغيرها، هذا نتيجة عدم الاستقرار النفسي للزوجة والزوج.
فالإهمال ينتج عنه صراعات دائمة، وقلق واكتئاب، وعزلة داخل المنزل، فتهجر البركة منزلهم، ويحل السخط والضيق، والأمراض، النفسية والجسدية، بأنواعها.
ولكن ما يهم بالأمر أن هناك الكثير من الأزواج من ينفصلان لسنوات، وأشهر تتعدى الستة، ومن ثم يلتقيان، هذا بحد ذاته تصرف يجب أن يدفع له كفارة إن استلزم الأمر، لماذا؟
الانفصال النفسي والعاطفي للأزواج يعتبر طلاقاً، هذا بالإضافة إلى العواقب النفسية التي يخلفها ذلك الانفصال، داخل المنزل على حساب سعادة الأبناء وتنشئتهم.
لكن نرجع لكتاب الله، عز وجل، وبالتحديد سورة المجادلة التي تحكي قضية مهمة، ألا وهو الانفصال العاطفي بين الزوجين، حيث تشبيه المرأة بأحد محارم الزوج كناية عن ذلك، فلا يستهان بقضية العاطفة الزوجية.
يقول الحق تبارك وتعالى في محكم كتابه:"قَد سَمِعَ ٱللَّهُ قَولَ ٱلَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوجِهَا وَتَشتَكِي إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَس مَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُ بَصِيرٌ" (المجادلة:1)،إنها قصة الصحابية الجليلة خولة بنت ثعلبة.
حيث أتت إلى الرسول (عليه الصلاة والسلام) تشتكي من زوجها قالت: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني- حتى إذا كبرت بسني - وانقطع ولدي - ظاهر مني، حيث كان أوس بن الصامت عندما يغضب عليها يقول لها"انت علي كظهر أمي"، وهذه العادة كانت في الجاهلية إلى أن أتى الإسلام وحرمها، فالزوج المحب لا تخرج منه تعبير أنت علي كظهر كأمي، وهي كناية عن الانفصال العاطفي بين الزوجين، حيث عندما اشتكت للرسول عن تصرف زوجها في حين كان يريد حاجته منها، وهي ترفض، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وسلم):"ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، فأخذت تحاور الرسول، وتقنعه بأنها تحب زوجها، وأن ليس لها أهل تستند لهم، وأن لديها صبية صغار وأنها لا تملك شيئا لتعيشهم، إلا وفي كل مرة تقنع الرسول(عليه الصلاة والسلام)، ويقول لها ذات الجملة "ما أراك إلا وقد حرمت عليه"، فدعت الله عز وجل قائلة: اللهم إليك أشكو حالي وفقري، إلا والآية الكريمة، قد نزلت على الرسول (صلى الله عليه وسلم)، فقال لها أن ترسل بأوس له، فلما أتى أوس للرسول سأله أن يحرر عبداً كفارة عن ما فعله، فقال لا استطيع، فقال له: إن كان يصوم شهرين متتاليين كفارة عن الكلمة التي تفوه بها، فقال له لا استطيع، لأنه قد تقدم بالعمر، ولا يستطيع الصيام، فسأله الرسول بأن يطعم ستين مسكيناً، فقال: لا استطيع لضعف حالته المادية، فما كان جواب الرسول إلا وان تصدق عنه، وقال له عد لزوجتك.
فمن خلال هذه القصة التي نزلت بها آية مخصوصة هي كناية عن الانفصال العاطفي بين الحد وكثرة الخلافات بينهما، فالطلاق الصامت الذي لا يراه، ولا يعلم به أحد إن قررا الإصلاح بعد شهور طويلة، فلا بد من وعي الزوجين أن عليهما كفارة، ككفارة أوس بن صامت، فالأسرة، وبالتحديد العلاقة الزوجية، من أكثر الأمور التي يحافظ عليها الإسلام بنظمه لتزكيتها، واستمراريتها بما يرضي الله عز وجل، وتحقيق الأهداف المنشودة من ورائها هي انتاج افراد صالحين للمجتمع، فهي اللبة التي تبني المجتمعات الراقية.
كاتبة كويتية