الخميس 23 يوليو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
سيكولوجية القولبة والتصنيف
play icon
كل الآراء

سيكولوجية القولبة والتصنيف

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 23 يوليو 2026
عدنان مكّاوي

يروى، بضم الياء، على لسان الفيلسوف اليوناني هرقليطس قوله: "أنت لا تنزل النهر الواحد مرتين". والمقصود أن جريان الماء في النهر يجعله متغيراً دائماً، ومع هذا التغيّر الذي يعتري النهر ويعتريك؛ يظل النهر شيئاً واحداً، كما تظل أنت، نفسك، وهذا معنى الثبات في التغيّر، والتغير في الثبات.

ومن هنا يعد هرقليطس الجد الأول للشك، فنحن موجودون وغير موجودين، من حيث أن الفناء يدب فينا في كل لحظة من عمرنا.

ومعنى ذلك ببساطة أكثر: لا شيء ثابتا في هذا الكون؛ فكل شيء يتغيّر، إن طبيعة الحياة تقوم على الحركة، وهذا ما يجدر بنا جميعاً أن نفهمه.

إن عيب معظمنا، إن لم يكن كلنا، أنه يخزّن في ذهنه فكرة، أو أفكارا، عدة عن جماعة أو شخص ما، ويحلل تصرفاتهم وأقوالهم، بناء على ذلك المخزون العقلي المسبق.وهذا ينسحب عندنا على المجموعات والشعوب، مع أن آفة الفرد منا هو الحكم المسبق الثابت على الآخر، فالتعميم في الحكم دليل الجهل..

نعم؛ التعميم وبخاصة التعميم الدائم، لغة الجهلة، والمعنى: أن التفكير الوراثي، أو التصنيفي الجاهز والمسبق، يناقض طبيعة الإنسان السوي، بل يناقض طبيعة الكون نفسه.وعليه؛ يجب أن نحلل كل قول أو كل فعل لأي إنسان دون الاعتماد الكلي على ما وضعناه، أو وضعه أحد في أذهاننا تجاهه.

فالإنسان؛ كل يوم، بحال، بل تجده أحيانا في اليوم الواحد كالبحر؛ مد وجزر، هدوء وهيجان.

إن التصنيف الدائم الثابت للفرد وللجماعة، خطأ وخطر في آن واحد.

والمغزى: توقّع التغير من كل إنسان واجب؛ لأن هذا التوقّع يجعلنا نكشف التغيير المتوقع، ونعالجه فوراً، فنضمن صحة أحكامنا دائماً.

فلنتوقّع من كل إنسان تغيير فكره أو سلوكه، أو حتى مبادئه، بصدر رحب وفكر مرن، لأننا لا يمكن أن نقولب الإنسان، أي نضعه في قالب جامد، طوال حياته؛ فهو مجموعة أحاسيس وأفكار تؤثر وتتأثر.

كما لا يمكن أن تصدق القولبة، على النصوص الأدبية؛ فالنص واحد ثابت، لكن تفسيره يختلف، أو هكذا ينبغي.

وقول أحدهم، بأن الإنسان لا يكون غير ذاته، خطأ، إذ يمكن أن يتغير سلبا أو إيجابا، فيصير جديدا، عقلا ونفسا.

إن اتفقنا على ذلك؛ فإننا نزعزع الثقة بأساس فكرنا، ألا وهو الحكم على الأحداث، أو الأشخاص، أو حتى الشعوب بالفكر المسبق الموروث، الذي تمكّن من عقولنا وثبت فيها، فعطّل قدرتها على تحليل الأحداث، واكتشاف جوهرها، وجديدها.

دليل على ذلك، أن معظمنا لا يكتشف ما طرأ من تغير في الشارع الذي نسكن ويسكن فيه، رغم مرورنا في كل يوم فيه، والسبب أننا ندخله، وفي ذهننا أننا نعرف كل شيء عنه، وبالتالي لا نكشف أو نكتشف ما حدث فيه من تغيير كبير كان أو صغيراً.

لا سبيل إلى الخلاص، إلا بتعودنا اقتحام المناقشة، أو الحوار أو الدراسة، بقلب بكر، وعقل بكر، فآفة المناقشة، أو الدراسة، هي الأحكام المسبقة، والتصور المسبق، ورؤية الناس كما نحب أن نراهم.

يجب أن نقبل بتغير الإنسان، ونقدر محاولة هروبه من تصنيف الآخرين له؛ لأن تغيره، سلبا وإيجابا، أقرب إلى الواقع الفعلي.

فكثيراً ما يتحول الإنسان من الضد إلى الضد من دون أن يفقد وجوده، أو ذاته، بالضرورة، بل إن الموجود هو النقطة التي تتلاقى عندها الأضداد، ولهذا امتنع وصف الإنسان الحي.. بخصائص دائمة.

إن حشو عقولنا بفكرة عن شخص ما، من كتاب أو صحيفة أو فيديو، أو عبر شخص آخر، يحبه أو يكرهه، أو عن طريق الشخص نفسه في لحظة سابقة، من عمره المديد والحكم عليه بناءً على تلك الفكرة المسبقة طيلة حياته كلها، خطأ؛ يجب أن نتداركه فوراً؛ فالإنسان، قد يظل على أفكاره وآرائه، وفي الوقت عينه قد يغيّرها، وهذا جائز، بل مقبول ما دام الإنسان ملتزماً بما يقول، وليس ملزماً، أقصد ما دام التغير نتيجة اطلاع ونضج عقلي خاص لا نتيجة ضغط أو إرهاب من خارج ذاته على ذاته.. وللكلام بقية.

صحافي فلسطيني

آخر الأخبار