الجمعة 24 يوليو 2026
37°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
الكويت لا ينقصها الخبراء... بل الإيمان بهم
play icon
كل الآراء

الكويت لا ينقصها الخبراء... بل الإيمان بهم

Add as Preferred Source on Google
Time
الخميس 23 يوليو 2026
عبدالعزيز محمد العنجري

أخطر ما قد تواجهه الدولة ليس غياب المعلومات، بل أن تصلها من زاوية واحدة. فعندما تتشابه مصادر الرأي، ولا تحظى التقديرات المستقلة بالمساحة الكافية، قد يبدو القرار منسجماً وقوياً، بينما تبقى بعض المخاطر خارج نطاق الرؤية.

لهذا لا تُعد مراكز الفكر المستقلة ترفاً ثقافياً، ولا واجهة للمؤتمرات، بل جزءاً من منظومة الإنذار المبكر للدولة. وظيفتها أن تختبر الافتراضات السائدة، وتطرح الأسئلة غير المريحة، وتبنى السيناريوهات التي قد لا تجد مكاناً داخل المؤسسات التنفيذية المنشغلة بإدارة اليومي والعاجل.

الدول الحديثة تبني قراراتها من خلال منظومة تنتج الأفكار، وتتداولها، وتغربلها، وتقارن بين البدائل قبل الانتقال إلى التنفيذ. وفي عالم شديد التقلب والتعقيد، لا يستطيع مسؤول، مهما بلغت خبرته، الإحاطة منفرداً بجميع المتغيرات. ومن هنا تأتي الحاجة إلى مؤسسات تكون مهمتها التفكير المنهجي، لا الدفاع عن قرار قائم، ولا مجرد ترديد ما هو سائد.

فاستقلال مركز الفكر لا يعني الخصومة مع الدولة، بل القدرة على خدمتها بصدق. والاستماع إلى مركز فكر مستقل يشبه الحصول على رأي ثانٍ في مسألة مصيرية؛ قد يؤكد تقدير صانع القرار، وقد يكشف ثغرة فيه، أو يدفعه إلى مراجعة افتراضات كان ينظر إليها باعتبارها مسلّمات. وفي جميع الأحوال، يمنحه ذلك قاعدة أوسع للقرار، ووقتاً ثميناً للاستعداد قبل أن تتحول الاحتمالات إلى وقائع.

ومن المفارقات أن دولاً أكثر انغلاقاً من الكويت سياسياً تدرك أهمية هذه المساحات. فإيران، رغم القيود المعروفة على المجال العام، تمتلك شبكة واسعة من مراكز الدراسات السياسية والستراتيجية؛ بعضها تابع لمؤسسات الدولة، وبعضها يعمل في الجامعات، أو بهامش من الاستقلال. وهي تستثمر في دراسة المستقبل والسيناريوهات، لأنها تدرك أن تقليص مساحة النقاش لا يلغي المخاطر، وأن إدارة الدولة تحتاج دائماً إلى تعدد زوايا النظر.

وليس هذا الدور نظرياً فقط، بل يمكن ممارسته حتى بإمكانات محدودة. ففي عامي 2020 و2021 استضفنا في مركز "ريكونسنس" الخبير الدولي سكوت كرينو، ونشرنا حواراً موسعاً معه، ثم نظمنا حلقة نقاشية متخصصة حول تهديدات الطائرات المسيّرة وسبل مواجهتها. وكان من بين ما طُرح، آنذاك، أهمية التقييم المبكر، وبناء منظومات حماية متعددة الطبقات للمنشآت الحيوية؛ وهي قضايا أثبتت تطورات المنطقة لاحقاً أهمية الاستعداد لها.

ولا نذكر هذه التجربة لإثبات أسبقية، أو تسجيل موقف. فالقيمة الحقيقية لمراكز الفكر ليست أن تقول بعد الأزمة: "لقد حذرنا"، بل أن تساهم، مع غيرها من المؤسسات والخبرات الوطنية، في توسيع خيارات صانع القرار، وتقليل احتمالات المفاجآت قبل وقوعها.

الكويت لا ينقصها الخبراء ولا الكفاءات. وما تحتاجه هو ترسيخ ثقافة ترى في الرأي المستقل مورداً وطنياً يثري القرار، لا عبئاً عليه؛ فكلما اتسعت مساحة التفكير، ازدادت قدرة الدولة على الاستعداد، وقلّت مساحة المفاجآت.

آخر الأخبار