الجمعة 24 يوليو 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
آراء طلابية

بين العدالة الناجزة وضمانات التقاضي

Add as Preferred Source on Google
Time
الجمعة 24 يوليو 2026

يشكل‭ ‬قانون‭ ‬المرافعات،‭ ‬المدنية‭ ‬والتجارية،‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬لتنظيم‭ ‬إجراءات‭ ‬التقاضي،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬أهميته‭ ‬على‭ ‬بيان‭ ‬كيفية‭ ‬رفع‭ ‬الدعوى‭ ‬والفصل‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬دوره‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬حق‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬القضاء،‭ ‬وبين‭ ‬استقرار‭ ‬المراكز‭ ‬القانونية،‭ ‬وحسن‭ ‬سير‭ ‬العدالة‭.‬

ورغم‭ ‬المكانة‭ ‬التي‭ ‬يحتلها‭ ‬القانون‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬القضائية‭ ‬الكويتية،‭ ‬فإن‭ ‬الواقع‭ ‬العملي‭ ‬يثير‭ ‬تساؤلات،‭ ‬مشروعة،‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬بعض‭ ‬الإجراءات‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التطورات‭ ‬المتسارعة،‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬القطاع‭ ‬القضائي‭ ‬عالمياً‭. ‬فالمتقاضي‭ ‬اليوم‭ ‬يتطلع‭ ‬إلى‭ ‬عدالة‭ ‬سريعة‭ ‬وفعالة،‭ ‬دون‭ ‬الإخلال‭ ‬بحقوق‭ ‬الدفاع،‭ ‬أو‭ ‬الضمانات‭ ‬القضائية‭ ‬المقررة‭ ‬قانوناً‭. ‬ومن‭ ‬الملاحظات‭ ‬التي‭ ‬تُطرح‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬القانونية‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الإجراءات‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬النزاع،‭ ‬سواء‭ ‬نتيجة‭ ‬تعدد‭ ‬المراحل‭ ‬الإجرائية،‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬استخدام‭ ‬بعض‭ ‬الوسائل‭ ‬التي‭ ‬يجيزها‭ ‬القانون‭ ‬بصورة‭ ‬تؤخر‭ ‬حسم‭ ‬الخصومة‭.‬

وهذه‭ ‬الملاحظة‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬انتقاداً‭ ‬للقضاء‭ ‬أو‭ ‬للمشرع،‭ ‬بل‭ ‬تعكس‭ ‬تحدياً،‭ ‬تشريعياً‭ ‬وإدارياً،‭ ‬تواجهه‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الأنظمة‭ ‬القانونية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الوسائل‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والخدمات‭ ‬الرقمية‭ ‬القضائية،‭ ‬يفرض‭ ‬مراجعة‭ ‬مستمرة‭ ‬لبعض‭ ‬الأحكام‭ ‬الإجرائية‭ ‬لضمان‭ ‬انسجامها‭ ‬مع‭ ‬متطلبات‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭. ‬فالتكنولوجيا‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬خياراً‭ ‬إضافياً،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬كفاءة‭ ‬العدالة‭ ‬وسرعة‭ ‬إنجازها‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ينبغي‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬توجه‭ ‬نحو‭ ‬تبسيط‭ ‬الإجراءات،‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الضمانات‭ ‬القانونية‭ ‬المقررة‭ ‬للخصوم،‭ ‬لأن‭ ‬الغاية‭ ‬من‭ ‬التقاضي‭ ‬ليست‭ ‬السرعة‭ ‬المجردة،‭ ‬وإنما‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬حكم‭ ‬عادل‭ ‬يصدر،‭ ‬وفق‭ ‬إجراءات‭ ‬تكفل‭ ‬حق‭ ‬الدفاع،‭ ‬والمواجهة‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭.‬

إن‭ ‬تطوير‭ ‬قانون‭ ‬المرافعات‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬وجود‭ ‬قصور‭ ‬في‭ ‬بنيته‭ ‬التشريعية،‭ ‬إنما‭ ‬يعكس‭ ‬طبيعة‭ ‬القوانين‭ ‬الإجرائية‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تحديث‭ ‬مستمر‭ ‬لمواكبة‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتقنية‭ ‬والاجتماعية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الحوار‭ ‬القانوني‭ ‬المتخصص،‭ ‬بين‭ ‬المشرع‭ ‬والقضاء‭ ‬والمحامين‭ ‬والباحثين،‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬إجرائية‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬ومرونة‭. ‬ويبقى‭ ‬قانون‭ ‬المرافعات‭ ‬الكويتي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الضمانات‭ ‬القانونية‭ ‬لحماية‭ ‬الحقوق‭ ‬والحريات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التطوير‭ ‬المستمر‭ ‬يظل‭ ‬ضرورة‭ ‬تشريعية‭ ‬تفرضها‭ ‬متطلبات‭ ‬العصر،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬ثقة‭ ‬المتقاضين‭ ‬ويرسخ‭ ‬مكانة‭ ‬القضاء‭ ‬الكويتي‭ ‬باعتباره‭ ‬الحصن‭ ‬الحامي‭ ‬للحقوق‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭.‬

جاسم‭ ‬محمد‭ ‬المطيري

‏كلية‭ ‬الدراسات‭ ‬التجارية‭ - ‬تخصص‭ ‬قانون

آخر الأخبار