الجمعة 24 يوليو 2026
36°C weather icon
logo-icon
تم نسخ الرابط بنجاح
آراء طلابية

تعيين المحكم الممتنع وحظر الطعن عليها

Add as Preferred Source on Google
Time
الجمعة 24 يوليو 2026

يمثل‭ ‬تدخل‭ ‬القضاء‭ ‬الرسمي‭ ‬لتعيين‭ ‬المحكمين‭ ‬عند‭ ‬امتناع‭ ‬أحدهم،‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬مظاهر‭ ‬المساندة‭ ‬الإجرائية‭ ‬التي‭ ‬يقدمها‭ ‬القضاء‭ ‬العام‭ ‬للتحكيم‭ ‬لإنقاذه‭ ‬من‭ ‬الشلل‭.‬

بيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التدخل‭ ‬الذي‭ ‬نظمه‭ ‬المشرع‭ ‬الكويتي‭ ‬في‭ ‬المادة‭ ‬175‭ ‬مرافعات‭ ‬أحاط‭ ‬القرار‭ ‬الصادر‭ ‬بالتعيين‭ ‬بحصانة‭ ‬إجرائية‭ ‬مطلقة،‭ ‬بنصه‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬جواز‭ ‬الطعن‭ ‬فيه‭ ‬بأي‭ ‬طريق‭. ‬يثور‭ ‬النقد‭ ‬الفقهي‭ ‬هنا‭ ‬حول‭ ‬فلسفة‭ ‬هذا‭ ‬الحظر؛‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬الجانب‭ ‬الناقد‭ ‬أن‭ ‬إسباغ‭ ‬الحصانة‭ ‬المطلقة‭ ‬يمثل‭ ‬افتئاتاً‭ ‬على‭ ‬حق‭ ‬التقاضي‭ ‬الدستوري،‭ ‬وتحصيناً‭ ‬لقرارات‭ ‬قد‭ ‬تشوبها‭ ‬أخطاء‭ ‬جسيمة‭ ‬في‭ ‬التكييف‭ ‬القانوني‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬اختيار‭ ‬شخص‭ ‬المحكم،‭ ‬وتوافر‭ ‬أهليته‭ ‬القانونية‭ ‬المفترضة‭.‬

وتتبدى‭ ‬أبعاد‭ ‬هذا‭ ‬النقد‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي،‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬طبيعة‭ ‬المنازعات‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬أمر‭ ‬التعيين؛‭ ‬فكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يثور‭ ‬الخلاف‭ ‬بين‭ ‬الخصوم‭ ‬حول‭ ‬وجود‭ ‬اتفاق‭ ‬التحكيم،‭ ‬وصحته‭ ‬ابتداء‭.‬

وفي‭ ‬ظل‭ ‬النص‭ ‬الحالي،‭ ‬فإن‭ ‬المحكمة‭ ‬تفصل‭ ‬ضمناً،‭ ‬وبصفة‭ ‬أولية‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬اتفاق‭ ‬التحكيم،‭ ‬ثم‭ ‬تصدر‭ ‬حكمها‭ ‬بالتعيين‭ ‬محصناً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬طعن‭ ‬مباشر‭. ‬هذا‭ ‬المسلك‭ ‬الإجرائي‭ ‬يوقع‭ ‬الخصوم‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الأمر‭ ‬المقضي‭ ‬المقيد،‭ ‬حيث‭ ‬يجبر‭ ‬الطرف‭ ‬المنكر‭ ‬لوجود‭ ‬التحكيم‭ ‬على‭ ‬المثول‭ ‬أمام‭ ‬الهيئة،‭ ‬وينتظر‭ ‬مجبراً‭ ‬انتهاء‭ ‬الخصومة‭ ‬بالكامل‭ ‬ليطعن‭ ‬ببطلان‭ ‬الحكم‭ ‬النهائي،‭ ‬مما‭ ‬يمثل‭ ‬هدراً‭ ‬صارخاً‭ ‬للوقت،‭ ‬والنفقات،‭ ‬والمجهود‭ ‬البشري‭.‬

وعند‭ ‬إسقاط‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬على‭ ‬الواقع‭ ‬القضائي‭ ‬الكويتي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬محكمة‭ ‬التمييز‭ ‬قد‭ ‬حاولت‭ ‬لجم‭ ‬إطلاقية‭ ‬هذا‭ ‬الحظر‭ ‬عبر‭ ‬التفرقة‭ ‬بين‭ ‬القرار‭ ‬الإجرائي‭ ‬المحض،‭ ‬والفصل‭ ‬في‭ ‬أصل‭ ‬النزاع‭ ‬حول‭ ‬الاتفاق‭. ‬فالقضاء‭ ‬المستقر‭ ‬يجيز‭ ‬الطعن‭ ‬بالتمييز‭ ‬استثناء،‭ ‬إذا‭ ‬شابه‭ ‬عيب‭ ‬ينحدر‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الانعدام،‭ ‬أو‭ ‬إذا‭ ‬خرجت‭ ‬المحكمة‭ ‬عن‭ ‬حدود‭ ‬سلطتها‭ ‬الإجرائية‭ ‬بغير‭ ‬حق‭.‬

‭ ‬ورغم‭ ‬هذا‭ ‬المسلك‭ ‬المرن،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬يظل‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬حسم‭ ‬الأزمة؛‭ ‬فالخط‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الخطأ‭ ‬القانوني‭ ‬الجسيم،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬الطعن‭ ‬عليه‭ ‬والانعدام‭ ‬الذي‭ ‬يجوز‭ ‬الطعن‭ ‬عليه،‭ ‬يظل‭ ‬ضبابيا،‭ ‬مما‭ ‬يترك‭ ‬الأطراف‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬إجرائية‭ ‬غير‭ ‬مستقرة‭.‬إن‭ ‬مقتضيات‭ ‬العدالة‭ ‬الإجرائية‭ ‬باتت‭ ‬تستوجب‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحصانة‭ ‬المطلقة‭ ‬لقرارات‭ ‬تعيين‭ ‬المحكمين،‭ ‬وتفكيك‭ ‬جمود‭ ‬الحظر‭ ‬التشريعي‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القبول‭ ‬بالتضحية‭ ‬بضمانات‭ ‬العدالة‭ ‬الأساسية،‭ ‬وحق‭ ‬الدفاع‭ ‬بذريعة‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬سرعة‭ ‬إنقاذ‭ ‬العملية‭ ‬التحكيمية‭.‬

ويكمن‭ ‬الحل‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬خيار‭ ‬تشريعي‭ ‬يتيح‭ ‬الطعن‭ ‬المباشر‭ ‬في‭ ‬شق‭ ‬واحد‭ ‬فقط،‭ ‬وهو‭ ‬المتعلق‭ ‬بالمنازعة‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬اتفاق‭ ‬التحكيم،‭ ‬أو‭ ‬صحته‭ ‬دون‭ ‬التطرق‭ ‬لشخص‭ ‬المحكم،‭ ‬وذلك‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬اتخاذ‭ ‬الحظر‭ ‬غطاء‭ ‬لتمرير‭ ‬تحكيم‭ ‬باطل،‭ ‬ولتظل‭ ‬مساندة‭ ‬القضاء‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬شرعية‭ ‬إجرائية‭ ‬حقيقية‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬قسر‭ ‬إجرائي‭ ‬محصن‭.‬

راشد‭ ‬عبدالله‭ ‬العازمي

كلية‭ ‬دراسات‭ ‬التجارية‭ - ‬تخصص‭ ‬القانون

آخر الأخبار