حين يقول الرئيس الأميركي: "من غير المسموح لإيران أن تتحول إلى بلطجي المنطقة، وتسعى واشنطن إلى تشكيل تحالف دولي لوقف العربدة الإيرانية في مضيقي هرمز وباب المندب"، فإن ذلك يعني أن المجتمع الدولي خرج من الإدانة السياسية، إلى العمل جدياً على محاسبة النظام المارق.
لكن في المقابل، إن ذلك لا يكفي طالما هناك قوى كبرى، لا تزال تمنح نظام إيران الأوكسجين الكافي عبر منعها أي قرار دولي لجعل طهران تخضع للقوانين الدولية.
وإذا كانت العلاقات بين الدول تقوم على المصالح، فإن هذا يعني العمل على وقف العنف والإرهاب الذي تمارسه إيران، وكما قلنا في مرة سابقة، إن التبادل التجاري والعلاقات السياسية لروسيا والصين مع دول مجلس التعاون الخليجي، أكبر بكثير منها مع إيران، وهذا أدعى أن تصطف موسكو وبكين مع هذه الدول، وليس مع نظام شرير.
فحين تعمد طهران إلى إغلاق مضيق هرمز، وتأمر جماعتها في اليمن بتعطيل الحركة في باب المندب، فهي تؤذي العالم كافة، خصوصاً أن دولاً آسيوية كبرى تعتمد على نفط المنطقة في إمدادات الطاقة، بالتالي فإن أي مساندة لإيران، من تلك الدول، يعني كمن يطلق النار على قدمه، حتى لو كان النفط الإيراني الذي تحصل عليه الصين، على صعيد المثال، سعره أقل من سعر السوق العالمية، ففي النهاية سيجري تشديد الحصار الأميركي، كما هو حاصل اليوم، ما يؤدي إلى فقدان تلك الميزة، لا سيما مع عدم وجود ممرات برية بين إيران والصين.
أيضاً، إن استمرار موقف روسيا من هذه الحرب يطيل أمد مشكلتها مع أوكرانيا، فالدول الأوروبية والغربية ستعمل على التصعيد في هذا الملف، ما دامت لم تحصل على موقف حازم بالنسبة إلى إيران.
إن هذه المعادلة واضحة منذ بداية الحرب، لكن يبدو أن بعض الدوائر في تلك الدول تعمل على إطالة الضغط على الاقتصاد العالمي، رغم خسارتها، لأسباب تبدو غير منطقية، لذا فإن إعلان بكين المساعدة في إعادة فتح مسار إسلام آباد، لا يكفي ما دام هناك غض طرف منها على الممارسات الإيرانية، كما أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة، والدول الأوروبية، سترضى بالتنازلات أمام تصلب طهران، لأن الخسائر أصبحت كبيرة على الاقتصاد العالمي.
هنا، لا بد من التوضيح أن نظام آيات الله لديه عقيدة عسكرية تقوم على مبدأ أيديولوجي هو جوهر وجوده، ولن يتخلى عنه بسهولة، إلا إذا كان هناك تغيير جذري للنظام ككل، بينما يقامر بشعبه ومصير الدولة ككل، كي يكسب المزيد من الوقت.
من هنا يمكن فهم هدف النظام من توسيع دائرة الحرب، واستهداف الأماكن المدنية، وتوظيف أذرعه في المنطقة لقصف منافذ الحدود، كما جرى في العبدلي، وكذلك تعطيل حركة السفن في مضيقي باب المندب وهرمز، فهو يعتقد أنه يستنزف الخصم، رغم أنه يمارس الإرهاب الموصوف، ويخالف القوانين والمواثيق الدولية، وهذا أدعى كي يقف العالم ضده، تماماً كما وقف ضد "القاعدة" و"داعش".
ففي هذا الشأن، ثمة ملاحظة جديرة بالاهتمام، تتعلق بالدول التي تغض النظر عن الممارسات الإيرانية، وأذرعها في المنطقة، وهي أن ترسيخ لغة الإرهاب كأساس للتعامل بين الدول، سكين ذو حدين.
لذا، فإن الدول التي تغض الطرف عن ممارسات إيران في الإقليم، وتهديدها الاقتصاد العالمي، فإن ذلك لا يخدمها في المستقبل، حتى لو كان ذلك إضعاف الولايات المتحدة، لأن التكلفة ستكون عالية جداً على الجميع، ما يدخل العالم في أزمة تحتاج إلى عقود للتعافي منها، وهذا بحد ذاته يزعزع الاستقرار والسلم الدوليين.