دخل الشاب الديوانية، ووجهه هذه المرة ما فيه ذلك الحماس المعتاد. لا نكتة، ولا تعليق، ولا حتى ابتسامة. كان شايل تليفونه ويقرأ بياناً رسمياً بصوت هادئ، وكل كلمة كانت تنزل على القلوب أثقل من اللي قبلها.
قال:"يا جماعة، بيان صادر من وزارة الكهرباء والماء والطاقة المتجددة".
وساد الصمت، حتى دلة القهوة، كأنها استحت من صوت فناجينها. ولما انتهى من القراءة، رفع الشايب رأسه، ومسح دمعة حاول يخبيها عن الربع، وقال بصوت متهدج: "نعين ونعاون... سمعاً وطاعة".
ثم سكت شوي، وقال: "تدرون يا عيالي، أصعب شعور مو يوم ينقطع عنك النور، أصعب شعور يوم أحد يحاول يطفي نور وطنك".
الكويت بالنسبة لنا مو مجرد قطعة أرض... الكويت بيتنا الكبير، هي أول صرخة طفل، وأول علم رفعناه فوق المدرسة، وأول نشيد حفظناه، وأول مرة عرفنا فيها معنى كلمة "وطن".
والله إن الإنسان إذا أحب بيته، دافع عن بابه، فشلون إذا كان البيت اسمه الكويت؟
ثم رفع يديه إلى السماء وقال: حسبي الله ونعم الوكيل...اللهم اكفناهم بما شئت، فإنك أنت العزيز الحكيم. اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم من أراد بالكويت سوءاً فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، ساد الصمت صمتاً يشبه الدعاء.
قال الخبير: ولعلمكم أخطر الحروب، هي اللي بتدخل البيوت من شاشة تليفوناتها قبل ما تدخلها المدافع.
هز الرجل رأسه وقال: إي والله، اللي يحب الكويت اليوم، يحفظ لسانه، ويحرس هاتفه من أن يكون جسراً للشائعات.
ثم اضاف: هالأرض كم يتيم مسحت على رأسه، وكم جايع أطعمت، وكم منكوب أغاثت، وكم ملهوف احتضنت؟
جمعياتها الخيرية وصلت إلى آخر الدنيا تبحث عن المحتاج قبل أن يبحث عنها... الكويت ما عرفت يوماً إلا بمد يدها للخير، لله الحمد والمنة، ولهذا نحن على يقين أن الأرض التي تعطي بصمت، ولا تنتظر تصفيقاً، لن يخذلها الله سبحانه.
ثم تنهد وقال: كم طاغية ظن أن القوة خالدة، فصار اسمه سطراً في كتاب تاريخ، وبقيت الأوطان التي بنت مجدها على الخير، ثم قال بصوت اختلط فيه الألم بالإيمان: إن كان نصيبنا اليوم الصبر... صبرنا، وإن كان الواجب أن نتكاتف...تكاتفنا صفاً واحداً، لن يخيفنا انقطاع نور وماء، ساعة، لأن في صدورنا ثقة بالله، واللي رزقنا أمس لن يتركنا اليوم، اطمنوا بلد جعلت الخير رسالتها لن تنكسر.
وختم المعاق الجلسة بدموع تسبق كلماته: اللهم احفظ الكويت من كل سوء، واحفظ سائر بلاد المسلمين، وأدم علينا نعمة الأمن والإيمان... اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، ورد كيد المعتدين في نحورهم، واكفنا شرهم بما شئت، إنك على كل شيء قدير.
المتمولس رفع يديه وقال: قد ينطفئ ليت، لكن لا ينطفئ وطنٌ جعل الله الخير رسالته.
وفي هذي الأثناء رفع على مسامعنا الشيخ زغلول اذان الظهر.
كاتب كويتي